Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

بحث حول جدلية الدين والمواطنة في القانون الأساسي الفلسطيني ثنائية التدخل والتصادم بينهما

جدليـة الديـن والمواطنـة

في القانـون الأساسي الفلسطيني ثنائيـة التـدخل والتصـادم بينهمـا

 

قدمت هذه الورقة البحثية استكمالاً لمتطلبات التخرج لدرجة البكالوريس في القانون

للعام الدراسي

2021 – 2022

 

شكر وتقدير:

أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الأمتنان إلى د. هالة الشعيبي، لتفضلها بقبول الأشراف على دراستي، كما أتقدم بالشكر لأعضاء لجنة النقاش كلٌ بإسمه، ولقبه.

الإهداء:

إلى روح من وصلت بدعائهما،

جدي، وجدتي رحمها الله وبشرهم بتخرجي،

إلى عائلتي أمي وأبي،

وأخوالي أطال الله في اعمارهم، وابقاهم سنداً لي.

 

فهرس المحتويات:

شكر وتقدير

الأهداء

الملخص

المقدمة

اشكالية الدراسة

أسئلة الدراسة

أهمية الدراسة

هدف الدراسة

منهج الدراسة

المبحث الأول: المواطنة ما بين المفهوم والجذور التاريخية

المطلب الأول: المفهوم العام للمواطنة

أولاً: مفهوم المواطنة في اللغة

ثانياً: المفهوم الاصطلاحي للمواطنة

المطلب الثاني: الجذور التاريخية لمفهوم المواطنة

أولاً: المواطنة الاغريقية

ثانياً: المواطنة الرومانية

ثالثاً: المواطنة في العصر الحديث

رابعاً: المواطنة في الاسلام

المطلب الثالث: المواطنة في الفكر السياسي الحديث

أولاً: المواطنة عند مفكرين العقد الاجتماعي

ثانيا: المواطنة في الليبرالية

ثالثا: المواطنة في الماركسية

المطلب الرابع: الحقوق المنبثقة عن المواطنة

أولاً: المساواة 

ثانياً: حرية العقيدة، والتعددية الدينية

ثالثاً: حرية الرأي، والتعبير

رابعاً: الحريات الشخصية، والفردية

المطلب السادس: مفهوم المواطنة في فلسطين

المبحث الثاني: أثر ذكر الدين في القانون الاساسي الفلسطيني على بعض حقوق المواطنة

المطلب الأول: علاقة حرية العقيدة بحرية التعبير

المطلب الثاني: حق التقاضي للأقليات الدينية

الخاتمة

قائمة المصادر والمراجع

 

المقدمة:

تعد الوثيقة الدستورية احدى مقومات الدولة المدنية أو الدولة الحديثة القائمة على مبدأ سمو الدستور، وتنبع أهمية هذا الدستور من ضرورة تبنيه للحقوق، والحريات وحمايتها، وأيضاح السلطات الثلاث، والعلاقة بينها بالإضافة إلى تنظيمه للواقع السياسي في الدولة، وسياساتها الداخلية، والخارجية، ويقصد بالدستور الوثيقة القانونية  العليا في الدولة التي تنظم حقوق الأفراد الأساسية، وحرياتهم بما فيها الحرية الدينية وتحتوي على مبادئ قانونية عامة تنظم نظام الحكم في الدولة، والسلطات العامة واختصاصاتها، والعلاقة بينها.

إن دراسة الوضع الدستوري الحالي في فلسطين يفرض علينا التعرض التعرض للعديد من القضايا المهمة، وتعد أكثرها إثارة للجدل طبيعة العلاقة بين الدين والقانون خصوصاً في ظل وجود تعددية دينية كما هو الحال في فلسطين .

وتكمن إشكالية الدراسة  أنه في ظل النص في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003 وتعديلاته على أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي ولسائر الديانات السماوية احترامها وقدسيتها وأن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع”، فما مدى اثر الذكر السابق للدين على بعض الحقوق المنبثقة عن المواطنة كالمساواة وحرية التعبير؟؟ وسنحاول في اطار ذلك الاجابة عن الاسئلة التالية:

  • مدى توافق حرية العقيدة وحرية التعبير؟
  • مدى توافق ركن المساواة الذي تقوم عليه المواطنة مع  النص على جريمة اهانة الشعور الديني او المعتقد؟

وسيتم الأعتماد على المنهج الوصفي والتحليلي والاستنتاجي وأخيراً المنهج التقويمي، وسأعرض من خلالها النصوص القانونية، وتفسيرها، وأقوم بوصفها وتحليلها ومناقشتها وتمحيصها، ثم أوجه النقاش لأصل الى افضل النتائج في هذا البحث.

أما عن أهمية هذه الدراسة فتكمن في أنها تفتح باباً لتصحيح التصورات حول علاقة الدستور بالدين، ولإعادة قراءة بعض المفاهيم الدستورية من أجل تصحيحها، ومن ثم تهدف الدراسة الى تسليط الضوء على مدى توافق النص الذاكر للدين في القانون الأساسي والمتمثل ب ” الإسلام هو الدين الرسمي في فلسطين ولسائر الديانات السماوية احترامها وقدسيتها”  مع بعض الحقوق المنبثقة عن المواطنة والمتمثلة بحرية التعبير والمساوة.

ولبلوغ ذلك المسعى، جرى تقسيم الدراسة الى قسمين: الأول يتناول العلاقة ما بين حرية

 

المبحث الأول:

المواطنة ما بين المفهوم والجذور التاريخية

 

المطلب الأول:

المفهوم العام للمواطنة

 

أولاً – مفهوم المواطنة في اللغة:

إن مصطلح الوطن في اللغة العربية يقصد به مكان ممارسة الفرد نشاطاته الفردية والجماعية، وهو مقر الاقامة ومكان العيش والحياة. وبالعودة للمعجم العربي الذي فسر كلمة الوطن بأنها مربط البقر، حيث أن ما يجعل البقر ثابتاُ فب مكانه هو القيد الذي يمثل الالزام، وهذا ما يترتب على المواطن بحكم انتمائه للوطن، فالمواطنة بهذا المعنى لها اصل عربي لكنها كتركيب، ومصطلح فقد تم استحداثها من أجل التعبير عن الوضعية السياسية، والاجتماعية، والمدنية، والحقوقية للفرد في الدولة.[1]-ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثالث، إعداد يوسف خياط، دار لسان العرب، بريوت، ص: 949..ط.ت

 

ثانياً- المفهوم الاصطلاحي للمواطنة:

لم يتم ادراج تعريف شامل موحد لمفهوم المواطنة، وقد ذكرت العديد من التعريفات لها على النحو الأتي:

فقد عرفتها دائرة المعارف البريطانية: “بأنها علاقة بين فرد، ودولة كما حددها قانون تلك الدولة، وبما تضمنتهتلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة”.[2]دوره، شريف المواطنة مفهومها، جذورها التاريخية، وفلسفتها السياسية

وعرفها انتوني غيدنز، وفليب صاتن: بأنها “مكانة تمنح للأفراد داخل وطن محدد أو جماعة سياسية فتحمل معها بعض الحقوق والمسؤوليات”.[3]فيليب صاتن، مفاهيم اساسية في غلم الاجتماع، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ص 318

وقد تم تعريفها ايضا على أنها المشاركة في الحياة العامة، وعلاقة التزام بين الفرد وبين الدولة حيث تفرض عليه القيام بواجباته التي أهمها الأنتماء والولاء للوطن والدفاع عنه مقابل أن تضمن له الدولة حقوقه في توفير الخدمات الضرورية المختلفة كالصحة، والتعليم، والجماية، وغيرها…[4]دزره شريف، مرجع سابق

وعرفت بأنها صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يغرضها عليه انتماؤه الى وطن، وأهمها واجب الخدمة العسكرية، وواجب المشاركة المالية في موازنة الدولة.[5]الكيايل وآخرون، موسوعة السياسة، مجلد:05 المؤسسة العربية للدراسات والنرش، بريوت، ط:03 1996 ص:373.

المطلب الثاني:

الجذور التاريخية لمفهوم المواطنة

 

أولأً- المواطنة الاغريقية:

أما عن  أصل مفهوم المواطنة فقد تطور وتغير مفهومه عبر الزمن، فكانت بدايات ظهوره في اليونان عند الاغريق القدامى بما اطلق عليه بالمدينة الدولة، فكانت المواطنة تمنح للذكر البالغ لمن هو لأب وجد وأم اثنيين(اصولهم من اثينا)، وقد تم استبعاد الرق، والفقراء، ومن هو لأم اثينيا، وأب غير اثيني,

وتجدر الاشارة الى أن فقط 10% من سكان اثينا كانوا يتمتعون بصفة المواطنة، وبمرور الوقت بدأت التفرقة تظهر داخل طبقة المواطنيين نفسها، وتم اعتبار المواطن من هو من ذو أصل نبيل، وتم استبعاد اصحاب الأموال من هذا المفهوم، واعتبارهم من العامة، وعلى الرغم من قصور مفهوم المواطنة الاغريقي إلا أنه نجح في تحقيق المساواة بين المتساويين، حيث أقر حقهم في تولي المناصب العامة، والمشاركة السياسية، وهي بذلك قامت بالتأسيس للمواطنة المعاصرة.[6]اندريه اميار، تاريخ الحضارات العام ترجمة: فريد م داغر، منشورات عويدات، بريوت.اريس، ط:02 1986 ص 124

 

ثانياً- المواطنة الرومانية:

أما عن المواطنة في الامبراطورية الرومانية فقد منحت بعداً قانونياً، وقد تم تنظيمها من خلال اجراءات ادارية متعددة مثل اجراء الاحصاءات السكانية، وتسجيل المواليد الجدد في الدوائر الرومانية الرسمية، ومن ثم تم اقرار المرسوم القانوني المعروف بإجراء كاركلال من قبل الامبراطور ماركوس اوريليوس في عام 212، وقد م بموجبه منح حق المواطنة لجميع الرجال الأحرار غير المتمتعين بها، وكانوا افراداً في الامبراطورية الرومانية، إلا أن تمتعهم بهذا الحق، وهذه الصفة لا يخولهم حق التصويت أو الاقتراع، وبالعودة لمجريات التاريخ، ومنها احتجاج سكان المستعمرات في الامبراطورية الرومانية على وضعيتهم الدونية المفروضة عليهم، يؤكد على أن منحهم حق المواطنة كان من أجل جمع اكبر قدر ممكن من الضرائب، ونتيجة لهذه الثورات، فقد تم اقرار قوانين منحتهم حق المواطنة الكاملة.[7]اندريه اميار، مرجع سابق ص136

 

ثالثاً- المواطنة في العصر الحديث:

وفيما يتعلق بمفهوم المواطنة في العصر الحديثِ فقد تم وضع الأسس الأولية له بموجب العديد من المواثيق أهمها مجموعة مواثيق الماجنا كارتا، والتي هي عبارة مواثيق قانونية دستورية صدرت في عام 1215 عملت على سيادة القانون الدستوري في انجلترا، وتضنت في نصوصها العديد من الأسس والمبادئ الدستورية التي قيدت سلطة الملك، وتجدر الاشارة الى أن هذا الميثاق قد قام على العديد من مبادئ ميثاق الحريات الذي تم اعلانه من قبل ملك انجلترا هنري الأول.[8]دومينيك شنابر، وكريستيان شوفالييه، ما الواطنة، ترجمة: سونيا محمود نجا، المركز القومي للترجمة القاهرة الطبعة … Continue reading

 

رابعاً- المواطنة في الأسلام:

أسس الأسلام لمفهوم المواطنة وطبق هذه الأسس تطبيقاُ عملياً، فبدأ بالتأكيد على مفهوم المؤاخاة قولاً وفعلاً، وتجلى ذلك في أمثلة عدة، يذكر منها مؤاخاة النبي الأكرم-صل الله عليه وسلم- بين صحابته في مكة، وأيضاً مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار في المدينة، وفي ذلك تجسيد لمفهوم عقد المواطنة الذي يقوم على اساس المؤاخاة ما بين جميع عناصر الجماعة السياسية أو الدولة.

وصولاً لتوقيع  الرسول محمد- صل الله عليه وسلم- لصحيفة المدينة مع جميع العناصر ومكونات مجتمع المدينة، فكانت هذه الوثيقة أول تطبيق عملي  في تاريخ البشرية لما اصطلح على تسميته بالعقد الأجتماعي، فقامت بالتأسيس للدستور أي الوثيقة العليا التي بينت الحقوق، والحريات، وحددت سلطات الحاكم، ومن ثم وضحت علاقة الحاكم بالمحكوم، والتي لم تكن محكومة أثنياً، بالإضافة إلى اعترافها بكافة الطوائف الدينية، وتم ذكرها في هذه الصحيفة بالأسم واحدة تلو الأخرى، وبالعودة لنصوص هذه الصحيفة، يُرى أنها تضمنت جملة من الحقوق المدنية تمثلت في حرية العقيدة، وحرية التعبير، والمساواة، والأعتراف بالتعددية.[9]دوره، شريف المواطنة مفهومها، جذورها التاريخية، وفلسفتها السياسية

أما عن مفهوم حرية العقيدة في هذه الوثيقة، فقد اعترفت بحق كل فرد بالأعتقاد بما يشاء، فكانت وظيفة الرسول -صل الله عليه وسلم- فقط اداء الرسالة والتبليغ، ولم يُمنح سلطة الأكراه أو الأجبار، وقد نهى الله -سبحانه وتعالى- المسلمين عن الإساءة لإصحاب المعتقدات الأخرى، وكان ذلك تطبيقاً للآيات الكريمة التالية:

  • قال تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).[10]سورة الكافرون، الآية06
  • قال تعالى : (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر(22)).[11]21-22 سورة الغاشية، الآية
  • قال تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).[12]سورة الأنعام، الآية108
  • قال تعالى: (لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى).[13]سورة البقر، الآية256

وفيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير التي رسختها صحيفة المدينة، فقد كفلت حرية تعبير كل فرد عن معتقداته، وأيضاً حريته في ممارسة شعائره الدينية في علانية، ومن ثم فقد تجلت حرية التعبير في اقامة مجالس المناظرة، والمحاورة، والمناقشة ما بين المسلمين، وغيرهم من اتباع الديانات، والمعتقدات الأخرى، بالإضافة الى كفالة الاسلام لحرية الأراء التي تقوم على مناقشة علمية، وأدلة معتبرة، أو شبه معتبرة.

وتجدر الاشارة الى ان الاسلام في ممارسته العملية لترسيخ مفهوم المواطنة وتحقيق ما ينبثق عنها من حقوق وحريات قد راعى فكرة النظام العام والأمن القومي، فقد وازن ما بين حرية الاعتقاد وحرية التعبير، وجعل الأصل حرية الاعتقاد، والفرع أو التابع هو حرية التعبير، فقد كفل حرية اعتقاد كافة اطياف المجتمع، وقد قدم الحماية لحرية تعبير كل فرد عن ما يعتقد، ومع ذلك فقد منع أي مساس بحرية العقيدة من قبل حرية التعبير، في محاولة منه لمنع أي تهديد للأمن القومي، وسوف تتوضح حاجتنا لهذا الأجراء عند الحديث عن علاقة حرية التعبير بحرية الاعتقاد في المبحث الثاني.[14]دوره شريف، مرجع سابق

 

المطلب الثالث:

المواطنة في الفكر السياسي الحديث

 

أولأً- المواطنة عند مفكرين العقد الاجتماعي:

إن المقصود بالعقد الاجتماعي تنازل كل شخص عن الحق المطلق الذي يملكه في كل شيء الى الحاكم من اجل انشاء المجتمع السياسي.

المواطنة عند توماس هوبس:

بالعودة لأفكار هوبس التي تتناول العقد الاجتماعي والتي فسر فيها الحالة الطبيعية، والحالة   المدنية، فيقول أن الحالة الأولى هي حالة حرب الكل ضد الكل، وحرب الفرد ضد الكل، حالة فوضى تفتقر لأي من مقومات الأمن والأمان، ونتيجة لما سبق يتعاقد الأفراد مع بعضهم البعض على أن يتنازلوا عن انانيتهم  وحرياتهم المطلقة مقابل أن يضمن لهم الحاكم جملة من الحقوق المدنية أهمها العدالة، والمساواة ويوفر لهم الأمن والأمان، وأن عدم التزام الحاكم بما سبق يُسقط عنه المشروعية، وهنا يتم الوصول للحالة المدنية، وبالتالي فإن مفهوم المواطنة عند هوبس هي نتاج عقد اجتماعي ما بين الافراد، والحاكم.[15]دوره شريف، مرجع سابق

المواطنة عند جون لوك:

أما عن مفهوم المواطنة عند جون لوك، فقد تناول ايضاً الحالة المدنية والحالة الطبيعية لكن قد تناولهما من منظورٍ آخر، فبرى لوك أن الحالة الطبيعية للأفراد هي حالة حرية كاملة تخللتها المساواة، وان عقل الانسان فيها هو من يقوده لفعل السبوكيات التي لا تلحق به الضرر، وبالتالي هي حالة عقلانية، وليست حالة صراع، أو تهديد لكن هذه الحالة كانت تفتقر لأنماط التفاعل بين الأفراد لذا نشأت حالة من عدم الرضى من قبل الأفراد، ومن اجل معالجتها قاموا بالبحث عن صيغة بديلة تكون اكثر نضوج في حماية الحقوق التالية( الحياة، الحرية، المساواة، الملكية)، وحيث أن الحالة المرادة(الحالة المدنية) سوف تقوم بتقدبم قوانين ونظام قضائي وسبطات تنفيذية.

 

ثانياُ- المواطنة في الليبرالية:

إن مفهوم المواطنة في الفلسفة الليبرالية تم اعتبارها رابطة سياسية بين الفرد والدولة تتحدد من خلالها الحقوق والواجبات وتقوم على قاعدة جاء بها جون ستيورث ميل مفادها ترك اكبر قدر من حرية التصرف للأفراد في كافة الحالات والأوضاع التي لا يستطيعون فيها ايذاء احدٍ غير أنفسهم، وذلك لأنهم افضل من يقدر مصلحتهم ويحظر توجيه الشدة والقمع لهم إلا في الحالات التي فيها يقومون بإيذاء بعضهم البعض، فهذا الاجراء هو من قبيل الحفاظ على الامن العام.

والحرية عند الليبرالية هي  أن لا يتدخل أحدٌ في فعل ما تريد حيث سكتَ القانون. ونتبين من التعريف أمورا منها: (1) أن التدخل علاقة بين طرفين يستخدم أحدهما إرادته لمنع الآخر من تحقيق إرادته (2) أن عدم التدخل ليس أمرا مطلقا وإنما مقيَّدًا بالقانون (3) المجال الذي لا يقبل التدخل هو الفضاء الخاص للمواطن ولا يغطيه القانون[16]دوره شريف، مرجع سابق

 

ثالثاً- المواطنة في الماركسية:

يقوم الفكر الماركسي على وجوب ان يكون الحكم من قبل طبقة البروليتاريا بواسطة ممثليهم، وقد أقر هذا الفكر بمبدأ العدالة والمساواة، ولهذا الفكر قيمة سامية يرمي الى تحقيق العدالة، إلا أنه تجدر الأشارة الى أن هذا الفكر يتسم بالطابع الشمولي، ومن هنا يبدأ الاستنتاج بوجود تهميش لحرية الاعتقاد، وتضيق على حرية التعبير والحريات الشخصية[17]دوره شريف، مرجع سابق

 

المطلب الرابع:

الحقوق المنبثقة عن المواطنة

 

إن الحقوق المنبثقة عن المواطنة هي حقوق مدنية بامتياز، وتجدر الاشارة الى أنها غير محددة على سبيل الحصر، حيث يمكن ان تضاف لها حقوق جديدة تكون مشتقة ومتفرعة عن الحقوق الأساسية، وأن هذه الحقوق التي سيتم التطرق لها هي نتاج المواطنة في الدولة الحديثة.

 

أولاً- المساواة:

تنص كافة دساتير الدول الحديثة في نصوصها على المساواة بين الافراد أمام القانون والقضاء، وأن هذا المبدأ مضمون للفرد نتيجة لصفته أنسان دون اعتبار لأي صفة أخرى، فلا اعتبار للجنس أو اللون أو العرق أو الدين أو اللغة أو المكانة الاجتماعية أو الاعاقة.

 

ثانياً- حرية العقيدة، والتعددية الدينية:

أما عن حرية الافراد بالأعتقاد بما يشاؤون، فأيضاً قد أكدت عليها الدساتير السابقة، فقد تم اعتبار أن هذه الحرية تدخل ضمن الحيز أو المجال الخاص للأفراد، ولا يكون للدولة أو أي شخص آخر الحق أو السلطة بالتدخل فيها، أو منع الفرد من اعتناقها.

إن الدساتير الديمقراطية قد رسخت مبدأً عاماً في ضمان حرية العقيدة ، وما يتبع ذلك من توفر تعددية دينية داخل المجتمع السياسي الواحد، نتيجة لحق الأفراد بالأعتقاد بما يشاؤون دون أن تفرض عليهم عقيدة واحدة معينة أو رؤية محددة، وقد جاءت القوانين والتشريعات لتضمن التطبيق العملي لهذا المبدأ، ويُرى ذلك تحديداً في قوانين العقوبات للعديد من الدول التي تجرم أي مساس بالشعور الديني للجماعات في الدولة.

 

ثالثاً- حرية الرأي والتعبير:

وفيما يتعلق بحرية الرأي، والتعبير، فقد تم التأكيد عليها في هذه الدساتير شريطة التزامها بأحكام القانون، أي بالتزامها بالنظام العام والأمن القومي أو ما يسمى بالأمن العام، وهذا ما سيتم التعرض له في المبحث الثاني.

 

رابعاً- الحريات الشخصية والفردية:

تبنت الدساتير الديمقراطية الحريات الشخصية والفردية واعتبرتها من ضمن الحيز والمجال الخاص للأفراد والتي لا يجوز المساس بها بأي شكلٍ كان شريطة عدم مساسها بالنظام العام، أما عن فكرة النظام العام فهي فكرة مرنة بطبيعتها غير محددة المعالم والملامح، ومن هنا يبدأ التساؤول عن مدى توفير الضمان لممارسة الأفراد لهذه الحرية دون ان يتم انتهاكها باسم النظام العام.

 

المطلب السادس:

مفهوم المواطنة في فلسطين

 

بالعودة لقراءة نصوص القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 وتعديلاته، يُرى أنه قد تضمن فيها أسس المواطنة في العصر الحديث، وتحديدأ المواطنة في المفهوم الليبرالي السابق توضيحه.

كفل القانون الاساسي حقوق المواطنة أو الحقوق المدنية كما اصطلح على تسميتها، فقد بدأ في باب الحقوق والحريات بالتأكيد على المساواة بين كافة اطياف المجتمع وفئاته، ومن ثم ذهب لحظر أي مساس بالحرية الشخصية للأفراد، كما كفل حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية، وذهب ليؤكد على حرية الرأي والتعبير، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك ذهب ليؤكد على أن الدين الاسلامي هو الدين الرسمي ولسائر الديانات السماوية قدسيتها واحترامها[18]القانون الاساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003 وتعديلاته، ومن هنا يبدأ الطرح الاستفساري لمدى امكانية احترام الديانات غير السماوية؟؟؟، ومن ثم لمدى امكانية التوفيق ما بين حرية التعبير وحرية الاعتقاد في ظل اعتبار ان الثانية نسبياً هي من عناصر الأمن القومي والنظام العام؟؟؟. وذاك ما سيتم تفصيله في المبحث الثاني من هذه الورقة البحثية.

 

المبحث الثاني:

آثر ذكر الدين في القانون الاساسي الفلسطيني على بعض حقوق المواطنة

 

أقر القانون الأساسي الفلسطيني في نصوصه بحقوق المواطنة أو الحقوق المدنية السابق ذكرها وحظر أي مساس بها، ومن ثم توجه للتأكيد على أن “الدين الرسمي في الدولة هو الأسلام، ولسائر الديانات السماوية احترامها وقدسيتها”[1]، ومن هنا سيتم دراسة أثر هذا الذكر للدين على الحقوق المنبثقة عن المواطنة من خلال مطلبين، الأول حول علاقة حرية العقيدة بحرية التعبير، والثاني حول حق التقاضي للأقليات الدينية:

 

المطلب الأول:

علاقة حرية العقيدة بحرية التعبير

 

كفل القانون الأساسي الفلسطيني في نصوصه حرية العقيدة، وحرية الرأي والتعبير فقد أكد على أن “حرية العقيدة والعبادة وممارسة الشعائر الدينية مكفولة شريطة عدم الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة”. و”لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون.

أما عن مفهوم حرية العقيدة التي صرح بها القانون الاساسي فهي حرية الايمان بالشيء والجزم به، ويشير هذا المفهوم بمعناه العام الى حرية الدين، ويشمل ذلك كل ما يمكن التدين به سواء اكان إلهياً أو دون ذلك، أي أن هذه الحرية تجيز للفرد اعتناق ما اوصله اليه فكره واجتهاده دون أن يكون لأي فرد اخر أو جهة أن تمنعه من ذلك ، وقد حظر القانون الاساسي أي مساس يهذه الحرية، ومن ثم جاءت التشريعات لتأكد على ذلك فقد جرم قانون العقوبات الاردني رقم 16 لسنة 1960 المطبق بالضفة الغربية في المادة 278 منه أي مساس بالشعور الديني لمجموعة من الافراد، وتجدر الاشارة الى أن هذه المادة لم تحدد الديانات أو المعتقدات[19]ذكر قانون العقوبات الاردني رقم 16 لسنة 1960 في المادة 278 منه مصطلح الديانات أو المعتقدات نظراً لأن الدين يشترط … Continue reading المشمولة بالحماية إنما جاءت مطلقة، والمطلق يؤخذ على اطلاقه.

وفيما يتعلق بكفالة القانون الاساسي لحرية الرأي والتعبير، فقد حظر أي مساس بها، إلا أنه قيدها بالألتزام باحكام القانون. فلا يجوز منع أي فرد بالتعبير عن رأيه أو أن يتعرض لأذى أو أية مضايقات لأنه عبر عنه، إلا أنه بالمقابل لا يجوز أن تخل حرية التعبير بالنظام العام.

إلا أن الأشكالية تكمن في المساس بالدين المتبع لجماعة معينة تحت شعار حرية التعبير، وعلى الرغم من عدم القدرة  للوصول لأحكام قضائية فلسطينية بهذا الشأن إلا أنه يمكن التدليل على ذلك بالأستعانة بوقائع اجنبية لا يوجد ما يمنع من أن يتم رصدها في فلسطين نظراً لأن هذه الحقوق والحريات ذات صفة عالمية ونظراً لأن أغلب دساتير الدول الحديثة والديمقراطية منها أكدت في مضمونها على حرية العقيدة، وحرية التعبير.

أما عن الوقائع فقد تم المساس والاساءة العلنية  للعديد من الديانات تحت شعار حرية التعبير بدايةً قد تم المساس بالديانة المسيحية في العديد من الأعمال الفنية “الأفلام” وتم تبرير ذلك بأنه حرية فن وتعبير  ومن هذه الحالات قيام شركة “نتفلكس” العالمية بأصدار عملاً درامياً يصور السيد المسيح على أنه مثلي الجنس، وعلى الرغم من أن هذا “الفلم” يشكل مساساً واضحاً بالديانة المسيحية إلا أن شركة “نتفلكس” ترفض أن تقوم بحذفه أو أن تقدم اعتذاراً لأتباع الديانة المسيحية أو الديانات الأبراهيمية السماوية، وردت على الاعتراضات والأنتقادات الموجهة لهذا العمل الدرامي بأن ذلك من باب حرية الفن والتعبير، وتجدر الأشارة الى أنه وعلى الرغم من كفالة القانون الأساسي لحرية العقيدة بشكل عام وللديانات السماوية بشكل خاص إلا أنه لم يتم اتخاذ أية اجراءات بحق شركة “نتفلكس” نتيجة لمساسها بالديانة المسيحية، فلم يتم تقييد عرض محتواها في فلسطين، وعلى من احداثها ضرراً معنوياً لمسيحيين العالم عامةً ولمسيحيين فلسطين خاصةً إلا أن الجهات المسؤولة لم تطالب بأي تعويض عن هذا الضرر وصولاً للرسومات الكاريكاتيرية الفرنسية المسيئة للرسول محمد-صل الله عليه وسلم- والمنشورة في صحيفة “شارلي ايبدو”، مروراً بالفلم الهولندي الذي يسخر من النبي محمد-صل الله عليه وسلم-توقفاً عند الرسومات الدينماركية المنشورة في صحيفة “يولاندس بوستن” تحت عنوان “وجه محمد” حيث شكلت هذه الرسومات مساساً واضحاً بالنبي محمد-صل الله عليه وسلم- وأثارت غضب المسلمين في الدينمارك والعالم نتيحة لسخريتها من نبي الأسلام، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فقد رفضت الصحيفة حذفها، وقد أيدتها الحكومة الدينماركية بذلك وأكدت أن هذه الرسومات تندرج تحت مفهوم حرية التعبير. وكذلك الحال فلم تطالب الجهات الفلسطينية أي تعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق بالمسلميين الفلسطينيين.

أما عن موقف المحاكم بما سبق فقد اكدت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في قرارها رقم ( ) على عدم قانونية عرض فيلم يسيء للسيد المسيح، ومن ثم اكدت فى أكتوبر 2018 على أن إهانة رسول الإسلام محمد لا تغطيها حرية التعبير، وجاء في حيثيات الحكم أن التشهير بالنبي محمد يتجاوز الحدود المسموح بها للنقاش الموضوعي ويمكن أن يثير التحيز ويعرض السلم الديني للخطر وأن هذه الإهانة من المرجح أن تثير استياءً مبررًا لدى المسلمين وتصل إلى حد التعميم دون أساس واقعي.

وبتاريخ 23 سبتمبر 2008 عقد مجلس حقوق الأنسان دورته التي ناقش فيها مفهوم الأساءة للأديان وعلاقته بحرية التعبير، وفي مداخلات هذه الدورة اثار ممثلو الدول المشاركة قضية الأساءة للأديان تحت شعار حرية التعبير. بداية فقد عبر ممثل الجزائر عن اسفه لكون حرية التعبير يتم الأحتماء وراها لإذكاء نار الفتنة بين الطوائف، أما عن ممثل سوريا قد أدان بدوره تصرفات الذين يحرفون القوانين المتعلقة بحرية التعبير من أجل اذكاء روح الفتنة بين الطوائف والأفراد ومن ثم طالب ممثل فنزويلا بضرورة التعجيل بالشروع في مناقشة آلية قانونية ملزمة لمحاربة الأساءة للآديان تحت شعار حرية التعبير، بالإضافة لمحاربة كل مظاهر عدم التسامح التي تنتهك الحقوق الأساسية للأفراد.

ويتضح مما سبق أن الممارسة العملية لحرية التعبير لا تميز الحد الفاصل والمعيار ما بين هذه الحرية، و  حرية العقيدة على الرغم من استقرار المحاكم على حفظ وصيانة حرية العقيدة وعلى الرغم من أن النص على حرية التعبير يتبعه دائماً شرط أن تتوافق ممارستها مع احكام القانون، وفي هذه الحالة يكون شرط ممارستها هو عدم مخالفتها للنظام العام وتحديداً الأمن العام أو الأمن القومي، فقد تم التوضيح في المبحث الأول أن العقيدة تشكل عنصراً من عناصر الأمن القومي وأن أي مساس بها يشكل مساساً بالأمن القومي نتيجة لردات الفعل التي سوف تظهر من اتباع هذه العقيدة.

 

المطلب الثاني:

حق التقاضي للأقليات الدينية

 

أكد القانون الأساسي الفلسطيني على أن حق التقاضي مكفول لكافة المواطنين حيث نص على ان “التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل فلسطيني حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي” ، وبتحليل مضمون هذا النص، يُرى أن لفظ المواطن لم يتبعه صفة أخرى وبالتالي حق التقاضي مكفول للأنسان بغض النظر عن أي صفة أخرى، فلا يقتصر هذا الحق على اتباع معتقد معين أو جنس معين أو غيرها من المفارقات. ومن ثم أكد القانون الأساسي على كفالة حرية المعتقد وحظر أي مساس بها، وقد تم تنفيذ هذا البند بموجب القوانين عامة وقانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 خاصة.

فقد نص قانون العقوبات على جريمة اهانة الشعور الديني  لمجموعة من الأفراد، أما عن مضمون هذه الجريمة فيتكون الركن المادي من نوعين من السلوك، الأول وهو المنشورات التي تمس بالمعتقد الديني لجموعة من الأفراد، والثاني هو التفوه في مكان عام وعلى مسمع شخص آخر بأية كلمات أو اصوات تمس المعتقد الديني لهذا الشخص.

وبالعودة لنصوص القانون الأساسي الفلسطيني تحديداً المادة 4 منه، والتي أكدت على أن الدين الرسمي في فلسطين هو الأسلام ولسائر الديانات السماوية احترامها وقدسيتها. يتبع هذا النص السؤال عن مدى احترام الديانات غير السماوية قانوناً؟، أي مدى توفير القانون الحماية الجزائية لهذه الديانات؟؟

على الرغم من تأكيد القانون الأساسي على حرية العقيدة وحظر المساس بها، ومن ثم تجريم هذا المساس بموجب قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 والنافذ بالضفة الغربية، ومن ثم عودته للتأكيد في القانون الأساسي على أن حق التقاضي مكفول لكافة المواطنيين، إلا أن النص في ذات القانون على أن الأسلام هو الدين الرسمي ولسائر الديانات السماوية قدسيتها واحترامها يمتد أثره على جريمة اهانة الشعور الديني والمساس بحرية المعتقد المكفولة بذات القانون أيضاً، فلم تحدد هذه المادة الديانات المشمولة بالحماية، وقد جاءت على سبيل الأطلاق إلا أن ذكر القانون لمصطلح “الديانات السماوية” أثر على عمومية مفهوم الدين بالمادة 278 من قانون العقوبات، وعلى الرغم من أن القانون يتحمل كافة الديانات باعتبارها حرية معتقد إلا أنه لا يوفر الحماية إلا لما رخصت به الدولة، وبالتالي ذكر الدولة للديانات السماوية بالقانون الأساسي يعتبر ترخيصاُ منها لهذه الديانات وبالتالي توفير الحماية لها وما دونها من الديانات(المعتقدات) إذا تم المساس بها فلا يوجد امكانية لتجريم هذا المساس وذلك نتيجة للصفة الغامضة لهذه الديانات.

إن القانون الاساسي الفلسطيني من خلال حوادث التعامل مع ما سوى الأديان السماوية الأسلامية،ـ والمسيحية الأصيلة (الأرثدوكس والكاثوليك والروم واللوثرية، وغيرها من الطوائف القديمة المعترف بها)ـ، واليهودية يشي من طرف خفي بأن المادة  18 تقصر حرية العقيدة المكفولة على الاديان السماوية فقطـ، بدليل أن السلطة التنفيذية لم تعترف بشهود يهوه(مسيحية عارضة)[20]تم رفض طلب تسجيل “شهود يهوه” كطائفة مسيحية من قبل  رئيس السلطة الفلسطينية، ومجلس الوزراء، وبالتالي فكأن هذه الممارسة تفسر تعريف الدولة للدين، وأن لم يصرح القانون بماهية الأديان، أو من أجل الحفاظ على الأمن العام، ومنع حصول توترات أو قلقلة نتيجة بروز اعتقاد يمس اعتقادات لها وزن في الواقع الفلسطيني.

أما عن امكانية تصنيف “شهود يهوه” كدين أم لا، فهنالك احتماليين:

* الاحتمال الأول: وقد تم استنباطه من العرف العام لمفهوم الدين في الدولة الفلسطينية، وهو الذي ينطبق على الأديان الكبرى(الاسلام، والمسيحية، واليهودية) ما يترتب عليه نفي مفهوم الدين عن “شهود يهوه”، وبالتالي عدم تمتع افراد هذه الجماعة بأية حقوق من منظور ديني.

* الاحتمال الثاني:مجموعة “شهود يهوه” يتمتعوا بمجمل الصفات التي تنطبق على تعريف الدين في الوثيقة الدستورية وفق المعادلة التالية:(معتقد+طقوس+مجموعة من الناس+أسئلة نهائية مشتركة+عبادة)=دين، وذلك نتيجة لعموم ورود مفهوم الدين في الدستور، وذلك سنداً للمادة 18 منه، وإن نفي هذه الاحتمال لا يكون إلا بمجيء مادة مخصصة، ومصرحة بإستثناء ما سوى الأديان السماوية(الدين الأصيل في حالة الدين المسيحي) من وصف الدين، أي أن مصطلح “العقيدة” المنصوص عليه في القانون الأساسي قد جاء عاماً أي أنه في محتواه يضم كل ما يمكن التدين به، وعندما يراد نفي صفة العمومية عن هذا المصلح وتخصيصه ليقتصر فقط هلى الديانات السماوية(فقط الأصبلة منها)، يجب النص على ذلك صراحةً، ونتيجة لعدم تواجد هذا النص فإن مصطلح “العقيدة” المرادفة لمفهوم الدين ينطبق على “شهود يهوا”.

بالإضافة الى حالة اتباع الديانة البهائية، فإنهم يتواجدون بفلسطين بنسبة جيدة، ولهم مقام في مدينة حيفا المحتلة. إن اتباع هذه الديانة يصفون أنفسهم بالمسلمين إلا أن الفقهاء اجمعوا على كفر اعتناق هذه الديانة  ويدعون الى منعهم من ممارسة شعائرهم الدينية والتصدي لهم, ونتيجة لإن العرف العام في فلسطين يفسر مصطلح اتباع الديانة الاسلامية على أنها اشارة لطائفة “السنة”، فما مدى توفر الحماية القانونية الجزائية لهم.

وفي التعليق على ما سبق، فقد كان من الأجدر على المشرع الفلسطيني عند صياغته للقانون الأساسي، وتحديداً في المادة الرابعة منه عدم ذكر مصطلح ” الديانات السماوية”، واقتصار النص على ” الديانات”، وذلك من أجل توفير ضمان وحماية اكبر لحرية العقيدة أي لكافات الديانات وليس السماوية منها.

 

الخاتمة:

على الرغم من أن أسس المواطنة في المفهوم الليبرالي تم النص عليها في القانون الأساسي الفلسطيني والذي يمثل الوثيقة الدستورية والتشريع الأعلى، إلا أن ذكر الدين في الوثيقة الدستورية يؤثر على الحقوق المدنية المنبثقة عن المواطنة، وفي الحالة الفلسطينية قد أكد القانون الأساسي على كفالة حرية العقيدة وحظر المساس بها، لكن حرية العقيدة المكفولة اقتصرت الى حدٍ ما على الديانات السماوية، وفقط الأصيلة منها  فقد تمت الأشارة في ما سبق إلى أن القانون يتحمل كافة الديانات باعتبارها حرية عقيدة إلا أنه لا يوفر الحماية إلا لما رخصت له الدولة واعترفت به، والدولة الفلسطينية اعترفت في دستورها(القانون الاساسي) بالديانات السماوية.

وقد اتضح مما سبق أن حرية العقيدة تواجه مساساً واضحاً بها تحت شعار “حرية التعبير”، وأن هذا المساس جاء نتيجة لعدم وجود حد واضح وفاصل ما بين حرية العقيدة، وحرية التعبير، ولعل الحد الفاصل الوحيد هو مصطلح “احكام القانون” أو “النظام العام”، وهما ذات دلالات واسعة جداً غير محددة، متغيرة من حين لأخر ومن ظرف لآخر.

وفي ظل ما سبق يُرى أن الكفالة المثالية لبعض الحقوق المدنية، أو الحقوق المنبثقة عن المواطنة غير متوفرة، ومن أجل توفرها نوصي عند تبني دستور دولة فلسطين أو في التعديل الدستوري القادم أن يتم أزالة مصطلح “السماوية” من نص المادة الرابعة من القانون الأساسي الفلسطيني حتى يتوافق هذا النص مع نص المادة الثامنة عشر، والتي كفلت حرية العقيدة بشكلها المطلق دون تحديد لديانات معينة، وأيضاً من أجل أن يشمل نص المادة 278 من قانون العقوبات الاردني رقم 16 لسنة1960 الحماية الجنائية لكافة الاديان، أو أن يتم تقديم وصفاً وتفسيراً واضحاَ لمصطلح “السماوية” الوارد في الوثيقة الدستورية من أجل معرفة مدى تمتع شهود يهوا والبهائيين وغيرهم من الطوائف بصفة الديانة السماوية من عدمها، بالإضافة لإعادة النظر بما يعتبر ديناً وبما لا يعتبر ديناً ضمن الوثيقة الدستورية الفلسطينية، وطلب وضع معياراً واضحاً للتقسيم نظراً لعموم كلمة “السماوية” في هذه الوثيقة، ومن ثم نوصي بوضع معيار واضح يبين الحدود الفاصلة ما بين حرية العقيدة، وحرية التعبير، وحظر محتوى المواقع الالكترونية أو الفنية والتلفزيونية التي تشكل مساساً بالشعور الديني لأتباع دين معين في فلسطين، ومن ثم التوجه لتشكيل هيئات تراقب على الاعمال الدرامية التي سيتم عرضها في فلسطين لتحديد مدى موافقتها للنظام العام، بالإضافة لتوجه الجهات المسؤولة للمطالبة بتعويض عن الأضرار المعنوية التي اصابت اتباع الديانة الاسلامية، والمسيحية في فلسطين من جراء عرض الافلام والرسومات الماسة بالنبي محمد-صل الله عليه وسلم- والسيد المسيح عليه السلام.

 

بقلم الحقوقيـة: إيمان عثمان خليفة

 

مواضيع أخرى ذات علاقة:

المصادر والمراجع

المصادر والمراجع
1 -ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثالث، إعداد يوسف خياط، دار لسان العرب، بريوت، ص: 949..ط.ت
2, 9 دوره، شريف المواطنة مفهومها، جذورها التاريخية، وفلسفتها السياسية
3 فيليب صاتن، مفاهيم اساسية في غلم الاجتماع، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ص 318
4 دزره شريف، مرجع سابق
5 الكيايل وآخرون، موسوعة السياسة، مجلد:05 المؤسسة العربية للدراسات والنرش، بريوت، ط:03 1996 ص:373.
6 اندريه اميار، تاريخ الحضارات العام ترجمة: فريد م داغر، منشورات عويدات، بريوت.اريس، ط:02 1986 ص 124
7 اندريه اميار، مرجع سابق ص136
8 دومينيك شنابر، وكريستيان شوفالييه، ما الواطنة، ترجمة: سونيا محمود نجا، المركز القومي للترجمة القاهرة الطبعة الاولى 2016 ،ص: 5
10 سورة الكافرون، الآية06
11 21-22 سورة الغاشية، الآية
12 سورة الأنعام، الآية108
13 سورة البقر، الآية256
14, 15, 16, 17 دوره شريف، مرجع سابق
18 القانون الاساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003 وتعديلاته
19 ذكر قانون العقوبات الاردني رقم 16 لسنة 1960 في المادة 278 منه مصطلح الديانات أو المعتقدات نظراً لأن الدين يشترط فيه توفر آله أما المعتقد من غير الدين فلا يشترط فيها ذلك ومثال ذلك (البوذيين).
20 تم رفض طلب تسجيل “شهود يهوه” كطائفة مسيحية من قبل  رئيس السلطة الفلسطينية، ومجلس الوزراء

One comment

  1. Pingback: أبرز المشكلات التي يعاني منها المواطنين أثناء الانتخابات - موسوعة ودق القانونية

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*