Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

مدى استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا وذلك في ضوء النظام القانوني الفلسطيني والتشريعات المقارنة والتطبيقات القضائية

مدى استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا وذلك في ضوء النظام القانوني الفلسطيني والتشريعات المقارنة والتطبيقات القضائية

 

عرف العالم منذ أواخر شهر ديسمبر من سنة 2019 حدثا صحيّا غير مسبوق تمثل في ظهور فيروس كورونا “Covid-19″، ونتيجة لانتشار هذه الجائحة فرضت معظم دول العالم إجراءات وتدابير إدارية تهدف إلى الحد من تفشي هذا الفيروس بين أفراد المجتمع حيث تمثلت هذه الإجراءات في فرض الحجر المنزلي على جميع المواطنين وإغلاق كافة المنشئات والقطاعات الاقتصادية، وعلى وجه الخصوص أعلن رئيس دولة فلسطين بتاريخ 19/3/2020 حالة الطوارئ في البلاد لمواجهة خطر تفشي فيروس كورونا[1] ثم جرى بعد ذلك تمديد العمل بحالة الطوارئ تباعاً إلى يومنا الحالي ، مما أدى كل ذلك إلى حدوث أزمة اقتصادية كبيرة في العديد من الأنشطة والقطاعات الاقتصادية ومن أهم هذه القطاعات والتي تأثرت سلباً قطاع العمل والذي يضم في طياته أصحاب العمل والعمال، ونتيجة لذلك كان لا بد من الوقوف على مدى استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا، حيث لجأ معظم أصحاب العمل ونتيجة الإغلاق لمنشئاتهم التجارية إلى إنهاء عقود العمل الخاصة بعمالهم أو تخفيض أجورهم بناءً على معطيات الحالة الاقتصادية السائدة وهنا يطرح السؤال ما مدى تأثير جائحة كورونا على عقود العمل المبرمة بين العمال وأصحاب العمل وهل يحق لأصحاب العمل إنهاء عقود العمل وفقاً لقانون العمل الفلسطيني والتشريعات المقارنة؟

بدايةً جاء نص قانون العمل الفلسطيني نصاً صريحاً على أنه “لا ينتهي عقد العمل في حالة صدور قرار إداري أو قضائي بإغلاق المنشأة أو بإيقاف نشاطها مؤقتاً لمدة لا تزيد على شهرين وعلى صاحب العمل الاستمرار في دفع أجور عماله طيلة فترة الإغلاق أو الإيقاف المؤقت” ثم جاء أيضا قانون العمل الفلسطيني في نص أخر مناقض لما ورد بموجب المادة المذكورة أعلاه، حيث نص على أنه “يجوز لصاحب العمل إنهاء عقد العمل لأسباب فنية أو خسارة اقتضت تقليص عدد العمال مع احتفاظ العامل بحقه في بدل الإشعار، ومكافأة نهاية الخدمة، شريطة إشعار الوزارة بذلك”[2]، وقد اشترط المشرع لإنهاء العقد في هذه الحالة أن يتم إشعار وزارة العمل بالإنهاء مما يترتب على عاتق صاحب العمل تبيان الأسباب الفنية أو الاقتصادية الداعية للإنهاء كي يتسنى للوزارة مراقبة سلوك صاحب العمل ومعرفة مدى جدية الأسباب الداعية للإنهاء،[3] وهنا نرى أن المشرع قد جانب الصواب حينما أورد هذه المادة، حيث تحوي هذا المادة على ثغرات كبيرة تعطي الحق لصاحب العمل التذرع بظروف الجائحة لإنهاء عقود عمل العمال، لكن وفي الحديث حول هذه المادة ومدى تأثرها بظروف جائحة كورونا نرى أن المشرع حينما وضع هذه المادة أوجدها للحالة طبيعية وليس في الحالات الاستثنائية مثل جائحة كورونا[4]، وهذا ما أكد عليه قضاء محكمة النقض الفلسطينية “نقض مدني” في قرارها رقم 511/2010 والصادر بتاريخ 11/1/2011 حيث نصت على انه “وفي الموضوع وعن السبب الأول وحاصله النعي على الحكم الطعين الخطأ في تطبيق القانون، بالحكم للمدعي ببدل الفصل التعسفي وذلك للخطأ في تفسير مضمون المادة 41 من قانون العمل حيث ثبت عدم وجود خسارة مالية لدى المدعى عليها وحيث أنه ليس هناك أسباب اقتصادية دافعة للإنهاء”،

وبالتالي فإنه بموجب أحكام قانون العمل الفلسطيني وبالتحديد ما نص عليه القانون على أنه “يعتبر تعسفياً إنهاء عقد العمل دون وجود أسباب موجبة لذلك[5]” نجد أن عقود العمل يجب أن تبقى مستمرة ومستقرة حتى وفي ظل جائحة كورونا وأي فعل من شأنه إنهاء عمل العاملين يعتبر من باب الفصل التعسفي، ونستند في ذلك أيضاً ما جاء في مجلة الأحكام العدلية حيث نصت على أنه “الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ”[6] أي أنه الأصل بقاء عقود العمل قائمة كما كانت قبل بداية جائحة كورونا ولا يجوز التذرع بشأن الظروف والأوضاع التي نشبت جراء هذه الجائحة في إنهاء عقود العمل بل يجب أن تبقى مستمرة كما كانت من قبل، لكن نجد هنا تتضارب ما بين أحكام قانون العمل والمجلة بشأن استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا من حيث اعتبار فصل العاملين بسبب جائحة كورونا على أنها من باب الفصل التعسفي والذي يستوجب على أصحاب العمل التعويض عن بدل الفصل التعسفي مع جاء في أحكام الظروف الاستثنائية والتي من الممكن أن يستند إليها أصحاب العمل في الدعاوي التي سترفع عليهم للتنصل من المسؤولية المصونة بموجب أحكام القانون،

وعلى أثر الخلاف القائم أصدر وزير العمل الفلسطيني قراراً بتاريخ 10/3/ 2020 يقضي بتطبيق أحكام المادة 38 من قانون العمل الفلسطيني ثم انعقد اجتماع بين كلٍ من وزارة العمل الفلسطينية والمجلس التنسيقي للقطاع الخاص واتحاد نقابات عمال فلسطين ونتج عنه اتفاق العمل الفلسطيني الثلاثي بتاريخ 16/3/2020 والذي خالف في بنوده ما جاء في قرار وزير العمل حيث نص على إلزام القطاع الخاص بدفع الأجور للموظفين والعمال عن شهري آذار ونيسان بنسبة 50% من الأجر بالإضافة إلى أنه أرشد أصحاب العمل لعدم إنهاء عقود العمل وإبقاؤها مستقرة في ظل جائحة كورونا[7]، على الرغم من أنه تم توقيع هذا الاتفاق في ظل غياب وجود تشريع فلسطيني ينظم علاقات العمل الجماعية في حالة الطوارئ والظروف الاستثنائية حيث أن ما ورد النص عليه في قانون العمل يتم في الظروف العادية[8]،

وحينما نتحدث عن مفهوم الحالات الاستثنائية ننتقل في الحديث إلى النظريات القانونية حول الظروف الاستثنائية وما مدى اعتبار جائحة كورونا ظرفاً استثنائياً، بدايةً لا بد من التفريق بين القوة القاهرة والظروف الطارئة على الرغم من أن كلاهما ظروف استثنائية يعتبران من صور السبب الأجنبي المعفي للمسؤولية،  حيث أن الظرف الطارئ ينتج عنه إرهاق المدين في تنفيذ التزامه مما يجعل من تدخّل القاضي مهما لردّ هذا الالتزام للحد المعقول وبالتالي يتمّ في هذه الحالة توزيع عبء الظرف الطارئ بين الدائن والمدين، في حين تجعل القوة القاهرة تنفيذ الالتزام مستحيلا تماما[9]، وبالرجوع إلى منظومة القانون الفلسطيني وما ورد بشأن الظروف الاستثنائية نجد أن مجلة الأحكام العدلية والتي تعتبر بمثابة القانون المدني الفلسطيني نصت حول الأحكام المتعلقة بالعقد وأثره بالنسبة للمتعاقدين وللغير ولكنها لم تنص صراحة على القوة القاهرة أو الظروف الطارئة إلا في إطار ضيق في بعض الأحكام المتعلقة بالإجارة في حالات عدم القدرة على تحقق المنفعة من المؤجر وذلك في المواد (469) و (470) و (471)، في حين نص قانون المخالفات المدنية صراحة على أحداث الطبيعة حيث نصت على أنه “يعتبر الشخص أنه سبب ضرراً بإهماله إذا كان إهماله هو سبب الضرر أو أحد أسبابه، ولكن لا يعتبر أنه سبب ضرراً بإهماله إذا كان الضرر قد نشأ عن وقوع حدث من أحداث الطبيعة الخارقة مما لا يتوقع حدوثه شخص معتدل الإدراك، وأنه لم يكن في الإمكان تجنب عواقب ذلك الحدث باتخاذ الحيطة المعقولة”[10]، كما ونص القانون الفلسطيني بشكل واضح على القوة القاهرة في قانون العطاءات الفلسطيني للأشغال الحكومية[11] حيث نص على أنه “لا يتحمل المتعاقد الأضرار المترتبة على التأخير في تنفيذ العقد أو عدم الوفاء به إذا كان التأخير أو عدم الوفاء بسبب القوة القاهرة”، كما نص مشروع القانون المدني الفلسطيني صراحةً حول فكرة الظروف الاستثنائية[12]،

وبالتالي فإن انتشار وباء كورونا وما تبعه من إجراءات من إعلان حالة الطوارئ قد يعتبر من الناحية القانونية وفي إطار المعاملات المدنية قوة قاهرة باعتباره حدثا غير متوقع أثناء التعاقد يستحيل دفعه أو منعه أو درء نتائجه وفي مثل هذه الحالة يؤدي ذلك إلى فسخ العقود من تلقاء نفسها إذا كان تنفيذ الالتزام مستحيلاً، أو تعديل العقد إذا كانت الاستحالة جزئية وقد يأخذ وصف الحالة الاستثنائية والظروف الطارئة بحيث يغدو تنفيذ الالتزام التعاقدي مرهقاً ويسبب خسائر فادحة غير معتادة وفي هذه الحالة لا تنفسخ العقود تلقائيا وإنما يعود للقضاء في هذه الحالة إعادة التوازن بين طرفي العقد بحيث يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول وبشكل عام يجب أن تُدقق وتفحص كل حالة على حدا لتحديد هل تطبق مبادئ القوة القاهرة أم الظروف الاستثنائية أو الطارئة[13]، وعقد العمل وفقاً للمبادئ العامة ينفسخ إذا امتنع أحد العاقدين بسبب القوة القاهرة عن تنفيذ التزاماته الناشئة عنه حيث يقع الانفساخ من تلقاء نفسه قبل انتهاء مدة العقد إذا كان محدد المدة ودون مراعاة لمهلة إذا كان العقد غير محدد المدة، سواء طرأت القوة القاهرة في جانب العامل فمنعته من تنفيذ العمل، أو في جانب صاحب العمل فمنعته من تقديم الأجر[14]،

كما أخذ القانون المدني المصري بفكرة القوة القاهرة عملاً بما استقر عليه قضاء محكمة النقض المصرية[15] حيث نص على أنه “إذا انقضى التزام أحد المتعاقدين فى العقود الملزمة للجانبين بسبب استحالة تنفيذه فإنه يؤدى إلى انقضاء الالتزام المقابل لتخلف سببه ويكون تنفيذ الالتزام مستحيلاً متى كان عدم تنفيذه راجعاً إلى قوة قاهرة أو حادث فجائي يحول دون تنفيذ أحد الالتزامات الناشئة عن العقد”، حيث اشترطت محكمة النقض المصرية في القوة القاهرة عدم إمكان توقع الحادث واستحالة دفعه[16]، كما أنه بالرجوع إلى ما أخذ به القانون الجزائري حول فكرة القوة القاهرة ومدى تأثيرها على الالتزامات التعاقدية نجد أن المشرع الجزائري تأثر بما استقر عليه القضاء الفرنسي ولو لم يتناول فكرة القوة القاهرة صراحةً في نصوصه إلا أنه نص في القانون المدني الجزائري على أن القوة القاهرة والظروف الطارئة تعتبر ضمن الأسباب الأجنبية والتي تعفي أطراف العقود من المسؤولية[17]، في حين عرف المشرّع التونسي القوة القاهرة في مجلة الالتزامات والعقود على أنها الحالة التي لا يتيسر معها الوفاء بالعقود، أي كل ما لا يستطيع الإنسان دفعه كالحوادث الطبيعية من فيضان وزوابع وحريق وجراد أو غزو أجنبي أو فعل الأمير (فعل السلطة العامة) ولا يعتبر السبب الممكن اجتنابه قوة قاهرة إلا إذا أثبت المدين أنه استعمل كل الحزم في درئه[18]، كما ونص القانون المدني الأردني حول القوة القاهرة[19] وأكد على ذلك قضاء محكمة التمييز الأردنية في القرار رقم (2016/1473)  بهيئتها العامة على انه ينقضي الالتزام باستحالة التنفيذ وكانت هذه الاستحالة بقوة قاهرة، والقوة القاهرة هي الحادث الذي لا يمكن توقعه ويستحيل دفعه وتعتبر القرارات الإدارية الواجبة التنفيذ من القوة القاهرة، ويترتب على وجود القوة القاهرة في العقود الملزمة للجانبين انقضاء الالتزام و فسخ العقد”،

لكن جاء نظام العمل السعودي منصفاً للعامل كما في القانون الفلسطيني من حيث استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا وعدم قابلية الاستناد إلى فخ القوة القاهرة ونظرية الجوائح ونظرية العذر في الفقه الإسلامي[20]، حيث اعتبر نظام المملكة السعودية أن جائحة كورونا تعد ظرفاً استثنائياً طارئاً لا يؤثر على عقود العمل ولا يجوز التعسف من قبل أصحاب العمل في استخدام حقهم بفصل العاملين بسبب جائحة وظروف كورونا، حيث نص على أنه “لا يجوز لصاحب العمل أو العامل أن يقوم بعمل من شأنه إساءة استخدام الحق أو هذا القانون أو النظام”[21]، كما جاء أيضاً قانون العمل الكويتي بما جاء عليه القانون الفلسطيني من حيث فكرة استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا، حيث نص على أنه “يلتزم صاحب العمل بدفع أجور عماله خلال فترة الإغلاق إذا تعمّد إغلاق المنشأة لإجبار العمال على الرضوخ والإذعان لمطالبه، كما يلتزم بدفع أجور عماله طوال فترة تعطيل المنشأة كليا أو جزئيا لأي سبب آخر لا دخل للعمال فيه، طالما رغب صاحب العمل في استمرار عملهم لديه”[22]، وأيضاً نصت مدونة الشغل المغربية على أنه “يتوقف عقد الشغل مؤقتا أثناء الإغلاق القانوني للمقاولة بصفة مؤقتة”[23]، كما وأنه بموجب أحكام قانون الالتزامات التعاقدية المغربي فإنه لا تعتبر جائحة كورونا سبباً منهياً لعقد العمل[24]، إلا أنه وبموجب قواعد قانون المدني المغربي فإنه في حال ثبت أن جائحة كورونا هي قوة قاهرة بانطباق الشروط الخاصة للقوة القاهرة ضمن القانون وهي “عدم التوقع”، و”استحالة الدفع”، “عدم وجود خطأ للمدين” فإنه في هذه الحالة قد يتحلل المٌشغل من عقد العمل من خلال أنه يمكن أن يقوم بتوقيف عقد العمل مؤقتاً أو يتحلل من دفع الأجور للشاغلين إلا حين توقف القوة القاهرة[25]، أما بموجب ما جاء في أحكام قانون العمل اللبناني فإنه لا يمكن للأجير التحلّل من هذه الالتزامات إلّا إذا حالت قوّة قاهرة بينه وبين الالتزام المُلقى على عاتقه وذلك باعتبار أنّ فيروس كورونا المستجد حدثًا قاهرًا[26]،

كما أنه وفي إطار الحديث حول مدى استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا ومدى اعتبار حالة كورونا كظرف استثنائي “قوة قاهرة” لا بد من الرجوع إلى ما جاء في القانون المدني الفرنسي حول ذلك، حيث نص القانون المدني الفرنسي على فكرة القوة القاهرة تحت مسمى Force majeure أي القوة القاهرة والحادث الفجائي [27]حيث نص على أنه “La clause de force majeure prévoyait que les obligations des parties seraient suspendues dans diverses circonstances, notamment en cas de guerre” أي أنه “يترتب على حالة القوة القاهرة وقف التزامات الطرفين بسبب ظروف مختلفة “[28] كما ونص على أنه “Au cas où la situation de force majeure durerait plus de trois mois consécutifs chaque partie pourrait demander la résiliation du contrat” أي أنه “إذا استمرت ظروف القوة القاهرة لفترة تتجاوز ثلاثة أشهر متتالية يجوز لكل طرف المطالبة بإلغاء العقد”،

كما انه وبالرجوع إلى أحكام القانون المدني الألماني نجد أنه نص حول فكرة القوة القاهرة تحت مسمى ” die höhere Gewalt ” وبموجب هذا القانون فإنه تعتبر جائحة كورونا سبب معفي من المسؤولية[29]،  ولا يمكن الخوض في هذه المسألة دون الدخول بما جاء في القانون الأمريكي، حيث أنه سمحت المحاكم في الولايات المتحدة بتطبيق قانون نيويورك والذي يسمح لأطراف العقد الاستناد إلى القوة القاهرة في حالات السببية الغير مباشرة، ويجب على الطرف الذي يسعى لتأكيد القوة القاهرة كأساس لتعليق أو إنهاء الأداء أن يقدم إشعارًا للطرف المقابل، [30]

أيضاً بالرجوع إلى ما نصت عليه منظمة العمل الدولية بموجب اتفاقية النهوض بالعمالة والحماية من البطالة رقم 168 لسنة 1988 نجد أنها نصت على أنه “إن العمال الذين تم تعليق وظيفتهم أو تخفيضها أو إنهاؤها بسبب تأثير أزمة كوفيد-19 أو لأسباب متعلقة بالصحة والسلامة العامة فإنه يجب أن يستفيدوا من إعانات البطالة أو مساعدات للتعويض عن الخسارة الحاصلة في إيراداتهم نتيجةً لهذا الوضع”، كما نصت منظمة العمل الدولية بموجب اتفاقية إنهاء الاستخدام رقم 158 لسنة 1982 على أنه “لا يشكل التغيب المؤقت عن العمل بسبب مرض أو مسؤوليات عائلية سبباً مشروعاً لإنهاء الاستخدام”،

وخلاصة القول بأنه كأصل عام بموجب أحكام قانون العمل الفلسطيني والتشريعات المقارنة المماثلة أن الأصل هو استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا حيث يعتبر أنه النص الخاص للمنازعات العمالية والذي يقيد النص العام في المنازعات المدنية وهو الأولى بالتطبيق وحسب ما أكدت عليه محكمة الاستئناف الفلسطينية[31] في قرارها “حيث أن المصلحة العامة أولى بالرعاية من المصلحة الخاصة”، لكن تضارب نصوص قانون العمل مع أحكام وقواعد القانون المدني والمتمثلة بنظرية الظروف الاستثنائية والتي تعطي الحق لصاحب العمل في إنهاء أو تخفيف الالتزامات في عقود العمل هو أمر مناقض لما جاء مع قواعد قانون العمل وحيث أنه مما لا شك فيه أن فكرة العقد شريعة المتعاقدين توجب احترام مضمون العقد سواء من طرف المتعاقدين أو من جانب القضاء، لكن الأوبئة الصحية كواقعة مادية صرفه تكون لها آثار سلبية واضحة على تحقيق التوازن الاقتصادي للعقد والتي يمكن رصد جوانبها على العلاقات القانونية بوجه عام والعلاقات التعاقدية على وجه الخصوص[32]، الأمر الذي يقتضي التعامل مع جائحة كورونا “كوفيد-19” باعتبارها ظرفاً طارئاً يوجب إنقاص الالتزام المرهق للمدين أو إعفاؤه من الالتزام، حيث تعتبر كلاً من نظرية الظروف الطارئة والقوة القاهرة استثناءً من مبدأ القوة الملزمة للعقد واستثناءً للقواعد الآمرة المنصوص عليها بموجب قانون العمل وذلك لارتباط نظرية الظروف الاستثنائية بفكرة النظام العام والتي لا يجوز الاتفاق على خلاف ما جاء فيها وهو المستقر قانوناً وفقاً لمقتضيات تحقيق العدالة والمساواة سنداً لأحكام القانون الطبيعي[33]، وبالتالي هنا لا بد من خضوع المنازعات الناشئة عن استقرار عقود العمل في ظل جائحة كورونا لسلطة القاضي التقديرية وفقاً للظروف والحيثيات بما لا يحرم أو يرهق أحد من حقوقه حيث أننا في ظل ظروف طارئة استثنائية لا بد منها النظر بعين الميسرة لكلٍ من طرفي العقد وذلك سنداً لما نصت عليه مجلة الأحكام العدلية حيث نصت في المبادئ العامة وتحديداً المادة 17 منها على أنه “المشقة تجلب التيسير”، كما ونصت في المادة 18 على أنه “الأمر إذا ضاق اتسع”، كما ونصت في المادة 21 على أنه “الضرورات تبيح المحظورات”[34] وسنداً لما أخذت به معظم التشريعات المقارنة وهو “مبدأ عدم جواز التعسف في استعمال الحق” وسنداً للاتفاقات والتصريحات اللاحقة والتي معظمها كان مؤيد لفكرة تخفيف الإلتزام عن كاهل المتعاقدين بما لا يضر في نهاية المطاف بحقوق العامل، وبشيء يكون منصفاً للطرفين، وهنا لا بد من الإشارة إلى دور الحكومة في مجال توجيه الدعم للعاملين وأصحاب العمل وتفعيل صندوق إعانات البطالة ومساعدة من ضاقت عليهم مجريات الحياة وفقاً لهذه الظروف، بالإضافة إلى أنه يجب أن تحذوا الحكومة الفلسطينية بما عمل به مجلس النواب المصري[35] من حيث التنسيب لرئيس السلطة الوطنية لإصدار قرار بقانون بتعديل بعض الآثار المترتبة على القوانين الناظمة للالتزامات التعاقدية بما فيها قانون العمل، أي النص على أنه “يستمر العمل بالتعاقدات والالتزامات التعاقدية في ظل جائحة كورونا لكن دون استحقاق التعويض مما يراعي مصالح أطراف العقود.

 

بقلم المحامي: بيرم جمال عبد اللطيف غزال

 

مواضيع أخرى ذات علاقة:

 

المصادر والمراجع:

[1] المرسوم رقم 1 لسنة 2020 بشأن إعلان حالة الطوارئ في فلسطين.

[2] المادة 38/1 والمادة 41 من قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000.

[3] نصرة أحمد, قــانون العمـــل الفلسطــيني، جامعة بيرزيت- تحت الرقم ISBN:9789950318311, فلسطين, الطبعة الثانية, 2012, ص 221.

[4] العابودي شكري, حقوق العمال بين الضياع والحماية القانونية, برنامج عدل-وكالة وطن للأنباء, 18/5/2020.

[5] المادة 46 فقرة 3 من قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000.

[6] المادة 5 من مجلة الأحكام العدلية.

[7] https://mol.pna.ps/news/496.

[8] الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان –ديوان المظالم-, ورقة موقف حول اتفاق أطراف الإنتاج الثلاثة خلال حالة الطوارئ”,9/4/2020.

[9] طبي عبد الرشيد, القوة القاهرة وأثرها على التشريع والقضاء: فيروس كوفيد – 19  نموذجاً, مجلة الحوار الجزائرية, 22/6/2020.

[10] المادة 50 فقرة 3/ج من قانون المخالفات المدنية الانتدابي رقم 36 لعام 1944 والساري في الأراضي الفلسطينية.

[11] المادة 34 من قانون رقم 6 لسنة 1999 بشأن العطاءات للأشغال الحكومية في فلسطين.

[12] المادة 151 من مشروع القانون المدني الفلسطيني.

[13] مشعل هادي, الأثر القانوني لحالة الطوارئ على عقود العمل والإيجار, مقالة منشورة – صحيفة الحدث, 15/4/2020.

[14] عبد الله احمد, عقد العمل بين الوقف والانتهاء في ظل أزمة كورونا, مقالة منشورة – جريدة المال, 22/4/2020.

[15] المادة 159 و 165 من القانون المدني المصري.

[16] حسب نص قرار محكمة النقض المصرية رقم 677 لسنة 69 قضائية تحت باب الدائرة المدنية جلسة 10/4/2012 قاعدة 88 صفحة 589.

[17] المواد 138 و 127 من القانون المدني الجزائري, والمادة 322 من قانون الإجراءات المدنية الجزائري.

[18] الفصل 283 من مجلة الالتزامات والعقود التونسية.

[19] المادة 247 من القانون المدني الأردني.

[20] زكي أحمد, جائحة كورونا ظرف استثنائي طارئ لا يؤثر على عقود العمل, دراسة منشورة لدى صحيفة المدينة السعودية – جدة, 1/5/2020.

[21] المادة20  من نظام العمل السعودي.

[22] المادة 61 من قانون العمل الكويتي رقم 6 لسنة 2010.

[23] المادة 32 من مدونة الشغل المغربية.

[24] هروش حسن, هل تعد جائحة كورونا مبرراً لعدم وفاء المشغل بالالتزامات المترتبة عن عقد الشغل, موقع حزب العدالة والتنمية المغربي, 8/6/2020.

[25] المواد 268 و 269 من أحكام القانون المدني المغربي.

[26] شعيب، عبد السلام، محاضرات في قانون العمل اللبناني وقانون الضمان الاجتماعي، 2002-2003، ص 50.

[27] المادة 31 والفصل 4 المادة 17 من القانون المدني الفرنسي.

[28] المادة 264 من أحكام القانون المدني الفرنسي.

[29] المادة 13 من القانون المدني الألماني.

[30] الفصل 2 المادة 616 من قانون نيويورك الأمريكي بشأن المنازعات المدنية.

[31] حسب نص قرار محكمة الاستئناف الفلسطينية 46/2019.

[32] الفاضل أحمد, الكورونا بين الظروف الطارئة والقوة القاهرة, تقرير خاص-الموقع الرسمي لتلفزيون العربية, 2020.

[33] القانون الطبيعي هو مجموعة القواعد الثابتة وغير المكتوبة والواجبة الانطباق على كافة الأفراد في كل المجتمعات نظراً لأنها تجد مصدرها في الطبيعة ذاتها فهو نوع من الأخلاقية الواجبة الانطباق في كل مكان وزمان يتجسد بأفكار العدالة و المساواة.

[34] المواد 17.19.20.21 من مجلة الأحكام العدلية.

[35] أقر مجلس النواب المصري تعديل لقانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 ومن ضمن التعديلات “تعديل آثار القوانين الناظمة للعقود “.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*