Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

لا تخبري أحد (الجزء الأول)

لا تخبري أحد (الجزء الأول)

 

منذ طفولتها وهي تشعر بالنقص، فمعظم الذين حولها أرادوا أن تشعر بذلك، لم يكترثوا يوماً أنها طفلة يتيمة، كل ما يريدونه أن يجعلوها تدرك أنها مختلفة عن باقي فتيات الحي. طفلة جميلة تحب العلم وتهتم بدراستها وكل ما يقربها من لقب الطبيبة، بالرغم من صغر سنها إلا أنها كانت طموحة وتسعى إلى تحقيق أحلاهما رغماً عن أنف كل من حاول تحطيم ذاتها.

سارة، توفيا والديها في السابعة من عمرها، وبقيت عند جدتها وعمها البالغ من العمر عشرون عاماً، بالرغم من أن محيطها دوماً كان يشعرها أنها أقل قيمة من باقي الفتيات لأنها يتيمة إلا أن جدتها كانت تحاول بشتى الطرق مساندتها وجعلها تعيش بسلام، كانت تردد دوماً: ما ذنبي في ذلك؟

…………….

تعايشت مع ذلك المجتمع الذي يختلف واقعه عن واقعها، فكيف يمكن أن يشعرو بما تشعر به؟ هل يعلمون الليالي الذي نامت بها باكية على أمل أن تلحق بوالديها؟ ماذا يعلمون عن ألمها؟

كانت تذبل كالوردة رويداً رويداً . لكن ماذا يمكنها أن تعمل؟

…………….

 في تمام الساعة الثالثةُ فجراً  أو الثالثةُ ألماً  لا فرقٌ بينهم تجلس لوحدها في غرفتها وفي يديها صورة والديها، يكاد أن يسلب منها حياتها ذلك الصراع الداخلي الذي أعترى رأسها! … استمرت بالسكون دون أي حركة منها سوا النظر الى صورة والديها، تنظر ودموعها تنهر على خدها الوردي، أفكارٌ كثيرة تراودها، قالت بصوتٍ خافت: لما تركتوني ورحتلوا!

كيف سأعيش مع هؤلاء الذي يدعون الرحمة وقلوبهم تملئها السواد!

كنتم مصدر الأمان لي اذهب إليكم في كل مَرةٍ ومُرة، والآن أين أذهب؟

حسناً أمي، أعلم أنكِ تعلمين ما حالي الآن، لا تكترثي سأمضى وأتجاوز ذلك وإن بُهت قلبي فكنتم ترددون لي دوماُ: إبقي قوية.

…………….

سيشرق شمس غد، وترتدي ملابسها لتذهب إلى مدرستها وترى الأباء يجلبون أبنائهم إلى دروسهم أمام أعينها، سيمضون والإبتسامة مُضيئةٌ على وجوههم، وستمضى والخيبة تحتل كل ما بداخلها.

لم تكن مصدر إهتمام لأحد، كانت نظرات الشفقة تجاهها واضحة، واضحة جداُ، لدرجة أنها رأت ذلك وفهمت تلك النظرات وهي في سِنٍ صغير، كل من حولها يحاولوا أن يروها تبتسم ليس حُباً بها، بل لكي لا تؤثر على حياتهم، ولكن لم يحاول أحد أن يفهم ما تشعر به ويسمعها، لربما إن تكلمت مع أحد يُخفف عنها ألمها، لكن من سيفهمها؟ من سيسمعها؟ وكل منهم يجري وراء حياته!!

بالرغم من أن جدتها دوماُ تتمنى أن تراها مبتسمة إلا أنها لا تستطع فعل شيء لكونها إمرأةٌ كبيرة في السن، كل ما تستيطع أن تفعله لها هو أن تجعلها تدرس في أفضل المدارس، وتطهي لها الطعام الذي تحبه.

…………….

بدأت تعتاد على حياتها، وهذا ما تفاجئ به الأقربون، حيث أخذت تتكلم معهم وتساعد جدتها، ظنوا أن الإبتسامة الذي يرونها على وجهها حقيقية وتدل على أنها نست كل ما مر بها، ظنوا ذلك لكنهم نسيوا أن بعض الظن إثم، تلك الإبتسامة ما كانت سوى حركة مزيفة لكي لا ترى منهم تلك النظرات التي تشعرها أنهم يشفقون عليها والذي كانت أيضاً تجعلها تشفق على نفسها.

أخذت تبان أنها تمارس حياتها بشكل طبيعي، تأكل، تشرب، تتسوق، تلعب، وتدرس، رأوها ذلك لكنهم لم يرونها وهي تبكي في الثانية عشر مساءاً لأنها لا تستطع أن تحضن والديها! لأنها لم تشعر بحنان الأم ورأفة الأب، ولأنها تمنت أن يروي والديها لها قصة قبل النوم… أمر ليس مستغرب، فالإنسان يهتم بما تراه عيناه، تخدعه المظاهر ليتجاهل ما دُفن داخل كل فرد.

…………….

لم يقتصر خذلانها هنا، بل بعد محاولاتها أن تتناسى وتظهر بأنها فتاة قوية لا تحتاج الشفقة، لتهز ثباتها جملة قالها أحد أقاربها بينما كان يحادث جدتها ليطئن عنها، بعد ان تحادثا لمدة لا تتجاوز النص ساعة، قال لها: كيف حال اليتيمة؟ ماذا تفعل بحياتها؟ هل ما زالت تظن أنها ستسطيع العيش وحيدة هكذا!!

ذهبت إلى غرفتها والدموع تنهار منها، لم تستطع تماسك نفسها، فكرت بجملة هل تستيطع أن تمضي حياتها وحيدة هكذا؟ لكنها قررت ألا تستمر، قالت: هذه المرة سأذهب إلى والدي حقاً!

سأفعل ذلك دون أن أخبر أحد.

 

بقلم الكاتبة: آمنة عايد رمضان

 

الأجزاء التالية:

2 comments

  1. Pingback: لا تخبري أحد (الجزء الثاني) - موسوعة ودق القانونية

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*