Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

الالتزام الدولي بحماية الأطفال في غزة بين النصوص القانونية والواقع المرير

الالتزام الدولي بحماية الأطفال في غزة بين النصوص القانونية والواقع المرير

(بقلم الباحثة: أشجان رائد الشريف)

 

في وسط هذا العالم المُثقَل بالشعارات الحقوقية، يبقى أطفال غزة شهودًا أحياء على الفجوة الفادحة بين النصوص القانونية والواقع المرير، في مشهد يُثبت أن كثيرًا من الاتفاقيات الدولية ليست إلا حبرًا على ورق.

فبينما تزخر المواثيق بالتزامات صريحة لحماية حقوق الطفل، يُحرم طفل غزة من أبسط حقوقه: الأمن، التعليم، والكرامة، والكثير…

فهل التزام المجتمع الدولي فعّال بحماية أطفال غزة؟ أم أن العدالة الدولية لا تزال حبيسة الأوراق وجدران المؤتمرات؟

 

أولاً – الإطار القانوني لحماية الأطفال دوليًا

اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة الرابعة والأربعين وبموجب قرارها (25 / 44) المؤرخ في 20 / نوفمبر/ 1989 اتفاقية حقوق الطفل، وانضمت إليها كل الدول العربية من ضمن 196 دولة في العالم، بما يجعل هذه المعاهدة الأكثر تصديقًا من ضمن المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

رغم أن اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1989 تُعدّ أكثر المعاهدات الدولية تصديقًا، بما
في ذلك انضمام جميع الدول العربية إليها، إلا أن واقع أطفال غزة يعكس تناقضًا صارخًا بين هذه الالتزامات القانونية والممارسات الفعلية على الأرض.

ففي حين تنص الاتفاقية على حق الطفل في الحياة، والتعليم، والحماية من العنف والصراع، نجد أن أطفال غزة يعيشون تحت
وطأة حصار طويل، وقصف متكرر، وحرمان ممنهج من أبسط الحقوق، في ظل صمت دولي مخزٍ وعجز في تفعيل بنود الاتفاقية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا الواقع يجعل من الاتفاقية، بالنسبة لأطفال غزة، وثيقة بلا قوة، تُنتهك أحكامها يوميًا دون مساءلة.

و من خلال التعليقات العامة للجنة حقوق الطفل يتضح أن الاتفاقية ليست مجرد إعلان نوايا، بل تُلزم الدول بثلاثة أنواع من الالتزامات:

  • الاحترام: أي عدم قيام الدولة أو أجهزتها بارتكاب أي فعل يُقيد أو ينتهك حقوق الطفل. لكن في غزة، نرى أن القوة القائمة بالاحتلال تنتهك هذا الالتزام بشكل مباشر عبر الاستهداف الممنهج للأطفال في القصف والحصار.
  • الحماية: أي أن تضمن الدولة حماية الأطفال من انتهاكات أطراف ثالثة، بما فيها الجماعات المسلحة أو حتى الأفراد. في حالة غزة، يُفضح تقصير المجتمع الدولي، والدول الأطراف خاصة، التي لم تتدخل بشكل جاد لحماية الأطفال من جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة.
  • التنفيذ: أي التزام الدولة باتخاذ خطوات فعلية قانونية وإدارية لضمان تطبيق الاتفاقية. والكارثة أن البيئة القانونية الدولية، رغم وفرة النصوص، تفتقر للآليات الملزمة لحماية أطفال غزة من التكرار المستمر للعدوان.

البروتوكول الاختياري حول إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة في 25 أيار/مايو 2000، ويُعد هذا البروتوكول أداة دولية أساسية تهدف إلى تعزيز حماية الأطفال من التجنيد والاستخدام في الأعمال القتالية.

ومن أبرز ما جاء فيه:

  • رفع سن التجنيد بحيث تلتزم الدول الأطراف بعدم تجنيد من هم دون الثامنة عشرة.
  • حظر مشاركة الأطفال في الأعمال القتالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
  • إلزام الدول الأطراف باتخاذ جميع التدابير الممكنة عمليًا لضمان حماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة.
  • حظر مطلق على الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة من تجنيد الأطفال أو استخدامهم بأي شكل.

انتهاكات إسرائيل للبروتوكول:

رغم أن إسرائيل طرف في البروتوكول الاختياري، إلا أنها تنتهكه بشكل صارخ في سياق عدوانها المستمر على قطاع غزة، وذلك من خلال:

  • الاستهداف المباشر للأطفال المدنيين بالقصف والقتل، ما يُعد شكلًا من أشكال المشاركة القسرية في النزاع، دون إرادة منهم.
  • تدمير المدارس والمراكز التعليمية التي تُعد أماكن حماية طبيعية للأطفال، مما يتركهم بلا مأوى أو تعليم، ويجعلهم في تماس مباشر مع بيئة النزاع.
  • الآثار غير المباشرة للهجمات، مثل: حرمان الأطفال من التعليم، دفعهم لتحمل أدوار الكبار، وتعرضهم لصدمات نفسية ممتدة، وهو ما يشكل صورة من صور “الإشراك غير المباشر” في النزاع.

الخروقات البنيوية:

إلى جانب الانتهاكات الميدانية، تبرز خروقات بنيوية جوهرية تتمثل في:

  • غياب آليات حماية حقيقية للأطفال الفلسطينيين في أوقات النزاع، رغم أن البروتوكول يُلزم الدول الأطراف بتوفيرها.
  • تقاعس المجتمع الدولي عن فرض التزامات البروتوكول على إسرائيل، ما يقوض مبدأ سيادة القانون الدولي، ويحوّل المعاهدات الدولية إلى التزامات شكلية بلا ضمانات فعلية.

إن انتهاكات إسرائيل المتكررة للبروتوكول الاختياري الخاص بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة تمثل خرقًا مباشرًا وصارخًا للقانون الدولي، وتكشف عن هشاشة منظومة الحماية الدولية للأطفال في النزاعات. كما أن الصمت الدولي إزاء هذه الممارسات يعمّق من مأساة الطفولة في غزة، ويُضفي غطاءً لاستمرار الإبادة والتدمير دون رادع.

القانون الإنساني الدولي:

اتفاقيات جينف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949:

تنص المادة (3) من اتفاقيات جنيف لعام 1949، والمُطبقة حتى في النزاعات غير الدولية، على حظر الاعتداء على الكرامة الشخصية، لا سيما المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.

وفي ضوء العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، نجد أن ممارسات الاحتلال – من قصف متعمد للمنازل، وترك الجثث تحت الركام، والإذلال الممنهج للمدنيين في المعابر والمعتقلات، فضلًا عن حرمانهم من الحقوق الأساسية – تشكّل خرقًا صارخًا لهذه المادة، وتجسيدًا لانتهاك منظم للكرامة الإنسانية التي يُفترض أن تصونها الاتفاقيات الدولية.

ومع تقاعس المجتمع الدولي عن المساءلة، تبقى هذه النصوص القانونية حبرًا على ورق، في مواجهة واقع دموي يعانيه أطفال ونساء وشيوخ غزة يوميًا.

 

ثانياً – الانتهاكات الجسيمة بحق أطفال غزة

منذ أكتوبر 2023 ، تمارس إسرائيل انتهاكات جسيمة وممنهجة ضد الأطفال الفلسطينيين، في خرق صارخ لكافة المواثيق والمعاهدات الدولية. يُستهدف الأطفال في منازلهم، وفي مراكز النزوح، وحتى في المستشفيات، كما حُرموا من حقهم في التعليم لعامين متتاليين.

ويُفاقم الاحتلال معاناتهم بفرض حصار خانق يحرمهم من أبسط حقوقهم الأساسية كالغذاء والماء والرعاية الصحية. إن هذه الجرائم ترقى إلى جريمة إبادة جماعية بحق الطفولة في غزة، وتشكل وصمة عار على جبين القانون الدولي، الذي عجز حتى اللحظة عن وقف نزيف الطفولة أو مساءلة الجناة.

الانتهاكات الجسيمة بالأرقام: أطفال غزة في مرمى الاستهداف

رغم وضوح نصوص القانون الدولي التي تُلزم بحماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة، تُسجَّل في غزة انتهاكات جسيمة وممنهجة ترتقي إلى جرائم حرب، وفقًا لما توثّقه التقارير الحقوقية والطبية.

ففي تصريح لمدير عام وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، د. منير البرش، أشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يقتل طفلًا كل 40 دقيقة، بمعدل 28 طفلًا يوميًا، بفعل القصف المباشر للمناطق السكنية والملاجئ والمدارس.

وأضاف البرش أن أكثر من مليون طفل في غزة يعانون من صدمات نفسية حادّة، وقد تم توثيق إصابة 50% منهم باضطرابات ما بعد الصدمة نتيجة الحرب.

وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن أكثر من 540 طفلًا يُقتلون شهريًا خلال العدوان المستمر، في مشهد يُجسِّّد التجاهل التام للاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي شواهد حية على انهيار منظومة الحماية الدولية، وفشل المجتمع الدولي في وقف الانتهاكات بحق الطفولة الفلسطينية.

 

ثالثاً – التوصيات

  • دعوة المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته القانونية بموجب اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها، واتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الانتهاكات بحق أطفال غزة.
  • الضغط على سلطات الاحتلال لإيقاف الاستهداف المباشر للأطفال والمدارس والمرافق الصحية، ورفع الحصار الجائر الذي يفاقم معاناتهم.
  • تفعيل آليات المساءلة الدولية من خلال المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة لمحاسبة مرتكبي الجرائم بحق الأطفال الفلسطينيين.
  • تمكين المنظمات الإنسانية والحقوقية من الوصول الآمن إلى قطاع غزة لرصد الانتهاكات وتقديم الدعم النفسي والصحي للأطفال.
  • توفير دعم دولي لقطاع التعليم وإعادة تأهيل المدارس والبنية التحتية الخاصة بالأطفال، مع دعم برامج الصحة النفسية.
  • إدماج قضايا حماية الأطفال في النزاعات المسلحة ضمن أولويات السياسات الدولية، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر ومنع تكرار الانتهاكات.
  • دعوة الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الطفل إلى تفعيل التزاماتها في الرقابة على تنفيذ أحكام الاتفاقية، ومحاسبة من يتخلّف عن ذلك.
  • دعوة مجلس الأمن الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية في حماية الأطفال في مناطق النزاع، وتفعيل أدواته الملزمة لوقف العدوان على غزة، بما في ذلك إصدار قرارات واضحة وإجراءات تنفيذية تُلزم الاحتلال بوقف انتهاكاته ضد الأطفال، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة والقرارات الدولية ذات الصلة.

 

بقلم الباحثة: أشجان رائد الشريف

 

مواضيع أخرى ذات علاقة:

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*

افتح المحادثة!
بحاجة لمساعدة !
مرحبا
كيف يمكننا مساعدتك !