Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

التوقيف الإداري في القانون

التوقيف الإداري في القانون

 

تعتبر الحرية الشخصية أحد حقوق الإنسان بل وأكثرها أهمية كونها تتعلق بشخصية الإنسان وبذاته، وقد كفلت الإعلانات العالمية والمواثيق الدولية هذا الحق واعتبرته حقاً سامياً لا يجب المساس به، وأيضاً أتت التشريعات الوطنية وأكدت عليه ونصت عليه الدول في دساتيرها وحرصت على إعماله في قوانينها، وإستناداً لهذا الحق فإنه لا يجوز إحتجاز أي إنسان أو تقييد حريته إلا وفقاً لأحكام القانون وبصدور أمر قضائي، فالأساس الثابت هو أن الإنسان يظل بريئاً إلى حين ثبوت إدانته، فما دون ذلك فإن أي إجراء تعسفي بحقه يعتبر جريمة تستوجب العقاب، وظهرت دعوات ومبادئ فلسفية تقدس هذا الحق وتصبغه بصبغة الحق المطلق، ولكن الواقع العملي يستوجب فرض قيود على الحرية الشخصية.

 حرصت التشريعات الوطنية على وضع قواعد إجرائية في عملية التوقيف الإداري، بهدف منع السلطة الإدارية من التعسف بحق الأفراد، بحيث يعتبر التوقيف الإداري تدبير إحترازي وقائي يحمل في طياته معنى العقوبة، صحيح أن يهدف إلى حماية الصالح العام ومنع الإخلال بنظام الدولة والأمن فيها،ولكن يجب أن يكون مقيد بقيود وإجراءات وضوابط تكفل عدم إساءة إستعماله وتكفل عدم الإعتداء على الحرية الشخصية، فما المقصود بالتوقيف الإداري؟ وما مدى توافقه مع القواعد القانونية؟ وما مدى حاجة المجتمع له؟

 

أولاً – مفهوم التوقيف الإداري:

 

سلطة التوقيف الإداري  بالأصل العام تناط بالسلطة القضائية كونها صاحبة الإختصاص الأصيل وبالإستناد إلى أحكام القانون ووفق ضوابط محددة، إلا أنه ظهر مصطلح التوقيف الإداري والذي يشكل تصرف قانوني تم منحه للسلطة الإداري ويستطيع بموجبه الحاكم الإداري توقيف الأشخاص في بعض الحالات المعينة:

  • التوقيف الإداري في التشريع : يتمثل السند القانوني للتوقيف الإداري في فلسطين في قانون منع الجرائم رقم 7 لسنة 1956، والمرسوم الرئاسي رقم 22 سنة 2003، ولم يرد في القانون تعريف للتوقيف إنما إكتفى القانون بذكر الجهة المختصة بالتوقيف إدارياً، وتحديد من هم الفئات الخطرة التي ينطبق عليها.
  • التوقيف الإداري في القانون الدولي: سلب حرية شخص ما بناء على أوامر صادرة من السلطة التنفيذية بدون توجيه أي تهمة بحقه، ويعتبر إجراء وقائي لحماية عناصر النظام العام.
  • التوقيف الإداري وفقا للقضاء: بالنظر في الطعون المعروضة أمام محكمة العدل العليا المتعلقة بالتوقيف الإداري نجد بأن المحكمة لم تضع مفهوماً واضحاً له، وإنما إكتفت بالإستناد إلى نصوص المادتين الخامسة والثامنة من قانون منع الجرائم، وقامت بتبرير التوقيف الإداري وإعتباره وسيلة للحفاظ على الأمن والسلم الداخليين، إضافة إلى أنها حددت ما هي شروطه، وأنه يتوجب التحقيق مع الشخص المحتجز وأن يشكل وجوده دون توقيف خطراً على الأخرين كما ويمتنع من تقديم كفالة.

 

 ثانياً – الفرق ما بين التوقيف القضائي والتوقيف الإداري:

 

  • من حيث الجهة المختصة: قرار التوقيف الإداري يصدر عن السلطة التنفيذية بالإستناد إلى نصوص تشريعية تختص بفترة زمنية معينة، أما التوقيف القضائي يصدر عن جهة قضائية مختصة بالمحاكمة وبالإستناد الى قانون أصول المحاكمات الجزائية.
  •  من حيث الأساس: يستند الحاكم الإداري في التوقيف الإداري على وجود حالة خطر أو وجود شخص مشتبه به، أما التوقيف القضائي يستند على وجود تهمة محددة ومعينة موجهه بحق الفرد ومع توافر بعض الأدلة.
  •  من حيث المدة الزمنية: التوقيف الإداري ليس له مدة معينة فقد تمتد لفترة طويلة أو قصيرة، اما بالنسبة للتوقيف القضائي فيتم تحديد مدته في حال اتخاذه من قبل الجهة المختصة ومن الممكن تجديد المدة بشرط ان لا تتجاوز مدة العقوبة للفعل الاجرامي.
  • 4 من حيث الطعن: يتم الطعن بالتوقيف الإداري أمام محكمة العدل العليا، والطعن بالتوقيف القضائي يكون امام المحاكم النظامية.

 

 ثالثاً – ضمانات التوقيف الإداري:

 

تقتضي العدالة توافر ضمانات وضوابط تحد من تعسف السلطة الإدارية وتكفل صحة إجراءات التوقيف التي يتم إتخاذها بحق شخص ما، وبالرجوع إلى قانون منع الجرائم ساري النفاذ في فلسطين نجده إشترط توافر مجموعة من الضمانات، تتلخص في:

  1.  علم الموقوف بسبب توقيفه بشكل تفصيلي ومدى تأثير هذا التوقيف على مركزه القانوني حتى يتمكن من إتخاذ خطوات الطعن بقرار التوقيف.
  2. صدور قرار التوقيف من قبل الجهة المختصة بإصداره ويجب أن تكون جهة مستقلة حيادية تتصف بالنزاهة والموضوعية،وهذه الجهة تتمثل إما في المحافظ أو المتصرف وذلك وفقا لنص المادة الثانية من القانون المذكور.
  3.  وجوب مراعاة النسبية والتناسب ما بين الفعل المخالف المرتكب ومدى جسامة الخطر المفضي لإجراء التوقيف، كما ويجب أن يبنى التوقيف على أسباب معقولة وجدية.
  4.  تحديد مكان التوقيف فيجب أن يكون المكان معترف به بشكل رسمي، كما ويجب تحديد المدة، لم ينص قانون منع الجرائم على مدة معينة وهذا يعتبر ثغرة تشريعية ومخالفة دستورية كونه يمس بالحريات العامة ويمثل تقييد تعسفي للحرية الشخصية.
  5.  تمكين الموقوف من الإطلاع على قرار توقيفه ومنحه الحق في اللجوء إلى المحكمة وتقديم الطعن دون أي تأخير.

 

 رابعاً – مدى توافق التوقيف الإداري مع مبدا الشرعية الجزائية:

 

كما تم ذكره سابقاً بأن التوقيف يعتبر تدبير إحترازي ولا يمكن تكييفه على أنه عقوبة، ويجب أن يكون وفق ضوابط ودون تعسف أو تسلط، وإن يتوافق مع مقاصد المشرع وبالتالي فإن أي إنحراف يشكل إنتهاك لمبدأ الشرعية، نلاحظ بأن التوقيف الإداري يفتقر لوجود ضمانات تكفل الحفاظ على المبادئ الدستورية السامية، فبالرجوع إلى القانون الأساسي الفلسطيني نجده بأنه قرر الحق الشخصي وكفله وبالتالي يعتبر التوقيف مفتقراً لمبدأ الشرعية، وبالعودة لنص المادة 3 من قانون منع الجرائم نجده اشتمل على مصطلحات فضفاضة منحت الحاكم الإداري صلاحيات موسعة في تحديد الشخص الذي يجب توقيفه وفي تحديد الحالات التي تشكل خطراً على أمن الدولة، وهذا التوسع يتنافى مع المبدأ الدستوري القائل بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص القانون، وبالنظر في قرارات محكمة العدل العليا نلاحظ بأنها اكدت على المادة 11 من الدستور الفلسطيني والتي نصت على الحرية الشخصية وكفلتها، وعلى عدم جواز تفتيش أو إعتقال أو حجز أي شخص إلا وفقاً للقانون وأن يتم تحديد مدة التوقيف الإحتياطي وأن يكون المكان خاضعاً للقوانين المختصة بتنظيم السجون، كما وقالت المحكمة بأن القانون واجب التطبيق هو قانون الإجراءات الجزائية والذي يحدد مدة التوقيف بما لا يتجاوز ستة شهور والإفراج عن الموقوف في حالة عد إحالته للمحكمة، ويمكن القول بأن المبادئ التي أقرتها محكمة العدل العليا من الممكن القياس عليها في إجراءات التوقيف كونها تمثل ضمانة لحقوق الأنسان ولا تتعارض مع الدستور.

 

ولكن في ظل الواقع العملي الفلسطيني نلاحظ أن الجهة الإدارية التي تصدر قرار التوقيف تتمثل في المحافظ وذلك بالإستناد لنص المادة الخامسة من المرسوم الرئاسي رقم 22 والتي منحت المحافظ صلاحية التوقيف والقبض في حالات نصت عليها ذات المادة، أما قانون منع الجرائم فقد منح هذه الصلاحية فقط لمحافظ العاصمة، وبالتالي فإن قيام المحافظين بإتخاذ قرار التوقيف يشكل مخالفة لنص المادة 11 من الدستور ومخالفة لقانون منع الجرائم،

وكل من قانون منع الجرائم والمرسوم الرئاسي يشكلان انتهاكا صريحا للدستور، وقانون منع الجرائم لا يتوافق مع توجه الدولة الفلسطينية نحو إرساء مبادئ الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان وتعزيز دور القضاء.

 

بقلم الحقوقية: رؤى احمد جرادات   

 

مواضيع أخرى ذات علاقة:

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*