Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

السندات العرفية: تعريفها، حجيتها، وآثارها القانونية

السندات العرفية:

تعريفها، حجيتها، وآثارها القانونية

(بقلم المحامية: فرح ياسر خلف)

 

تحدثنا في المقال السابق عن السندات الرسمية كوسيلة من وسائل الاثبات الكتابية وماهيتها وحجيتها، وفي مقالنا المعروض سنكمل الحديث في وسائل الإثبات الكتابية الواردة في قانون البينات الفلسطيني الا وهي السندات العرفية، فما المقصود بها وما حجيتها بالإثبات؟

أولاً – السند العرفي

السند العرفي وفقاً لما ذكر في قانون البينات هو السند الذي يشتمل على توقيع من صدر عنه أو على خاتمه أو بصمته، ولا يتوافر به شروط السند الرسمي ومثال ذلك سند الدين العادي المنظم بين طرفين، أو إقرار باستلام مبلغ أو مخالصة موقعة بين طرفين أو تعهد بدفع مبلغ.

ثانياً – حجية السندات العرفية في الإثبات  

تنص المادة (16/1) من قانون البينات في مضمونها على أن السند العرفي يُعد حجة على من وقّعه غير أنه إذا أنكر الخصم التوقيع أو الخط أو البصمة المنسوبة إليه أو جهلها، وجب على من يتمسك بالسند أن يثبت صحة هذا التوقيع أو البصمة وذلك وفقاً للقواعد المقررة في الإثبات.

فقد قرر المشرع مبدأ أساسي في حجية السندات العرفية وهو أن السند العرفي لا يكتسب حجيته إلا بصدوره عن صاحبه بإرادة صحيحة ويثبت ذلك من خلال التوقيع أو الختم أو البصمة، الا أن هذه الحجية ليست مطلقة إذ يحق لمن يُنسب إليه السند أن ينكر التوقيع وفي هذه الحالة ينتقل عبء الإثبات الى الطرف الذي يتمسك به فيلزمه إثبات أن التوقيع صحيح وصادر عن المنسوب إليه بكافة طرق الإثبات القانونية مثل الخبرة والشهود.

أما إذا لم يُنكر الخصم السند أو سكت عنه عند مواجهته به، فيُعتبر ذلك إقراراً ضمنياً بصحته ويكتسب السند حجيته الكاملة.

ثالثاً – مواجهة الوارث أو الخلف الخاص

ذكرت المادة (16/2) من قانون البينات أن السند العرفي يكون حجة على من وقعه إلا أنه إذا أُثير في مواجهة الوارث أو الخلف الخاص، فإنه لا يُشترط منه الإنكار الصريح للتوقيع أو الخط أو البصمة، وإنما يكفي أن يقرر عدم علمه بنسبة الخط أو التوقيع أو الختم أو البصمة إلى مورثه أو سلفه، وذلك مراعاةً بأنه لم يكن طرفاً في التصرف ولعدم مباشرته للتصرف وعدم علمه به، فالقانون لم يحمل الوارث أو السلف عبء التأكد من صحة التوقيع، فينتقل عبء إثبات صحة السند إلى من يتمسك به وفق القواعد العامة.

رابعاً – الأثر القانوني لمناقشة موضوع السند العرفي

تنص المادة (17) من قانون البينات الفلسطيني على أنه من احتُج عليه بسند عرفي وناقش موضوعه، لا يُقبل منه بعد ذلك إنكار الخط أو الإمضاء أو التوقيع أو البصمة المنسوبة إليه.

يستفاد من هذا النص أن المشرّع قرر قاعدة إجرائية مهمة في مجال الإثبات، مؤداها أنه إذا تمسك الخصم بالسند العرفي في مواجهة شخص معين وقام هذا الأخير بالدخول في مناقشة موضوع السند والرد عليه من حيث مضمونه كأن يدفع ببراءة الذمة أو السداد، فإنه يُعد بذلك قد تعامل مع السند كواقعة قانونية صحيحة صادرة عنه، مما يمنعه لاحقاً من الرجوع والتمسك بإنكار التوقيع أو الخط أو البصمة ويبقى السند قائماً بحجيته الكاملة في مواجهته.

وكانت غاية المشرع من نص هذه المادة اعتبار مناقشة موضوع السند العرفي إقراراً ضمنياً بصحته من حيث نسبته إلى صاحبه، بما يمنع العودة إلى إنكار التوقيع أو البصمة أو الخط لاحقاً، تحقيقاً لاستقرار المعاملات ومنع التناقض في الدفاع واستقرار المعاملات وحسن سير العدالة.

خامساً – تاريخ السند العرفي

نصت المادة 18 من قانون البينات ” لا يكون السند العرفي حجة على الغير بالنسبة لتاريخه إلا منذ أن يكون له تاريخ ثابت”. يقصد المشرع أن التاريخ المدون على السند العرفي لا تكون له حجية في مواجهة الغير، لأن السند العرفي يحرره الأفراد دون تدخل موظف عام وبالتالي يمكن نظرياً تقديم أو تأخير التاريخ المكتوب عليه لذلك اشترط القانون أن يكتسب السند تاريخاً ثابتاً قبل الاحتجاج به على الغير من ناحية التاريخ ويقتصر عدم الحجية على التاريخ فقط.

وقد جاء نص المادة (18) من قانون البينات الفلسطيني لتحقيق غاية تشريعية تتمثل في حماية  الدائنين اذ قد يلجأ المدين إلى تحرير سندات أو تصرفات بأثر رجعي وإثبات تواريخ سابقة لها بهدف تهريب أمواله من الضمان العام للدائنين أو ترتيب حقوق صورية قبل نشوء حق الدائن أو قبل اتخاذ إجراءات التنفيذ ضده ولذلك فإن اشتراط المشرع لثبوت التاريخ لا يُعد قيداً شكلياً بحتاً، وإنما هو وسيلة لضمان استقرار المعاملات وحماية الائتمان والثقة في التعامل، من خلال منع الاحتجاج بتاريخ غير ثابت في مواجهة الغير إلا إذا تأيد بوسيلة قانونية تجعل هذا التاريخ غير قابل للتلاعب وعليه، فإن المادة (18) تحقق توازناً بين مصلحة أطراف السند العرفي في حرية الإثبات، وبين مصلحة الغير، ولا سيما الدائنين، في عدم الإضرار بهم بسندات يمكن اصطناع تواريخها، فتكون بذلك قد قررت قرينة عدم صحة التاريخ في مواجهة الغير إلا إذا ثبت خلافها قانونًا.

ملاحظة: المقصود بتاريخ غير ثابت أن الغير غير ملزم بتصديق هذا التاريخ.

وعليه، فقد نظّم المشرّع في المادة (18) من قانون البينات الفلسطيني حالات اكتساب السند العرفي لتاريخ ثابت على سبيل الحصر، وذلك لاعتبارات تتعلق بحماية استقرار المعاملات وضمان عدم التلاعب بالتواريخ وهذه الحالات تتمثل فيما يلي:

  • اكتساب السند لتاريخ ثابت من يوم تصديقه لدى كاتب العدل: حيث يُعد تصديق كاتب العدل على السند العرفي إجراءً رسمياً يضفي عليه صفة الثبات من حيث التاريخ، باعتبار أن الموظف العام يثبت واقعة تقديم السند إليه في تاريخ معين مما يمنع الادعاء بأن التاريخ المدون عليه غير صحيح في مواجهة الغير. ومثال ذلك إذا تم تنظيم سند بيع بتاريخ 1/1/2025 وتم تصديقه لدى كاتب العدل بتاريخ 10/1/2025، فإن السند يُعتبر ثابت في مواجهة الغير اعتباراً من 10/1/2025 .
  • اكتساب السند لتاريخ ثابت من يوم إثبات مضمونه في ورقة رسمية: ويقصد بذلك إدراج مضمون السند العرفي أو الإشارة إليه في محرر رسمي صادر عن جهة مختصة بحيث يُصبح هذا المحرر دليلاً رسمياً على وجود السند في تاريخ تحريره. مثال ذلك إذا تم إرفاق السند العرفي ضمن ملف دعوى قضائية وتم إثبات مضمونه في محضر جلسة رسمي فإن تاريخ المحضر يُعد تاريخاً ثابتاً للسند.
  • اكتساب السند لتاريخ ثابت من يوم التأشير عليه من قبل موظف عام مختص: ويقصد بذلك قيام موظف عام مختص بالاطلاع على السند ووضع تأشيرته أو ختمه عليه بما يفيد أنه اطّلع عليه في تاريخ معين مما يمنع إنكار وجوده في ذلك التاريخ. مثال ذلك اذا تم تقديم السند الى دائرة رسمية وقام الموظف المختص بتأشيره بتاريخ محدد فإن هذا التاريخ يعد ثابتا للسند.
  • اكتساب السند لتاريخ ثابت من يوم وفاة أحد الموقعين عليه: حيث يُعتبر تاريخ الوفاة قرينة قانونية قاطعة على أن السند كان موجوداً قبل هذا التاريخ إذ يستحيل قانوناً نسب توقيع أو إنشاء لاحق للمتوفى بعد وفاته. مثال ذلك اذا وقع شخص سندا عرفيا بتاريخ 1/1/2025 وتوفى بتاريخ 1/4/2025 فإن السند يكتسب تاريخا ثابتا اعتبارا من 1/4/2025.

وبذلك يتضح أن المشرّع الفلسطيني من خلال المادة (18) لم يهدف إلى التشكيك في صحة السندات العرفية وإنما إلى تنظيم حجية تاريخها في مواجهة الغير عبر اشتراط ثبوته بوسائل قانونية محددة، تحقيقاً للتوازن بين حجية السند في الإثبات بين أطرافه من جهة، وحماية الغير وخاصة الدائنين من التلاعب بالتواريخ والإضرار بحقوقهم من جهة أخرى بما يحقق استقرار المعاملات ويعزز الثقة في التعاملات المدنية والتجارية.

والله وليّ التوفيق

بقلم المحامية فرح ياسر خلف

 

مواضيع أخرى ذات علاقة:

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*