Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

استقلالية القضاء الشرعي في المحاكم الشرعية

استقلالية القضاء الشرعي في المحاكم الشرعية

 

بعدل الله نقيم حياة بحاضرنا ولمستقبلنا الآتي، حتى يحقق القضاء رسالته العظمى وهدفه الأسمى وهو تحقيق العدل، والشعور بالأمان والاستقرار، والبعد عن الظلم لا بد من تحقيق مبدأ استقلالية القضاء، ولا يحقق ذلك إلا بقيامه على ركائز أساسية تدعم استقلال القضاء ومعنى ذلك أن لا يقع القضاة تحت تأثير سلطة معينة أو شخص- ذي مكانة في الدولة – تُسَّول له نفسه أو مكانته بالتدخل في القضاء واستخدام نفوذه في سبيل الضغط على القاضي بتهديده وهذا من شأنه أن ينحرف به عن هدفه الأساسي. وتحقق ذلك يكون بِبُعد القاضي عن التحيز والمحاباة لفريق دون الآخر، والأهم أنّ القاضي لا يُحّجر على عقله وفكره بل بالعكس جاء الإسلام ودّعم رأيه واجتهاده. وهناك مؤيدات تدعم وتتكفل بحماية مبدأ استقلال القضاء، ومنها الحماية الدستورية، والحماية الجزائية، فالاعتداء على هذا المبدأ يؤدي إلى الحيف والظلم، إلى أن يفقد الناس ثقتهم بعدالة القضاء وانطلاقهم إلى أن يأخذ ما قد يظن أنه حق له بيده.

أما عن تعريف القضاء: فتعددت تعريفات العلماء والفقهاء والقانونين في معناه، وإن تعددت ألفاظه فالمعنى الجامع له واحد، وأول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعه يدرك الفاهم معنى العدل والحق والنزاهة والوزن بالقسطاس المستقيم، بعيداً عن الجور والظلم. وما أجمل من قوله تعالى في كتابه الكريم وآياته النورانية:( إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ  إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦ  إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) سورة النساء: 58.

فهذه الآية الكريمة تعتبر شعار القضاء في المحاكم الشرعية، وطريق العدل للحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وكل حكم بغير ما أنزل الله تعالى هو الضلال المبين. فالقضاء: جاء بمعنى إلزامٌ بالحكم، والفصل بين الناس عند الخصوم قطعاً للنزاع وحسماً للخلاف، بمقتضى الأحكام التي شرعها الله.

شهدت فلسطين حدثاً تاريخياً يسجل لها في قائمة الانجازات  في مستهل عام 2021م بشكل عام، وسلك قضائها الشرعي بدرجاته ومحاكمه (عليا- استئناف – بداية) على وجه الخصوص بإصدار قرار بقانون رقم (8/2021) خاص بها يدل على استقلال القضاء الشرعي في المحاكم الشرعية الفلسطينية من ناحية استقلال السلطة القضائية في دستور دولة فلسطين المعدل لسنة 2003م للمادة (43) منه لإعطاء الرئيس حق اصدار قرارات بقانون. وبصدور هذا القرار بقانون بمواده (70) والتي تشمل وتتعلق باستقلال منظومة القضاء الشرعي من ديوان قاضي القضاة وقضاته الشرعيون وجميع الدوائر التي تنظم عملها، تم إلغاء ما كان معمول به ومطبق وهو قانون تشكيل المحاكم الشرعية رقم 19/1972م، ويلغى أيضاً العمل بقرار قانون رقم 3/2012م بشأن القضاء الشرعي. ويسري العمل بهذا القرار بقانون بشكل رسمي بعد التصادق عليه ونشره رسمياً حسب الأصول.

مع العلم أن دولة فلسطين بدرجات محاكمها الشرعية تسري أحاكمها وقوانينها المعمول بها حالياً تبعاً للقوانين الأردنية في مناطق الضفة والقوانين المصرية في قطاع غزة؛ فهي تعتبر قاصرة وغير كافية لما جرى من تعديلات وتغيرات على أصلها بالدولة الأم لتواكب تطوراتها السريعة، فأصبحت لا تلبي الحاجة ولا تعبر عن الشخصية الوطنية الفلسطينية الخاصة بالقضاء الشرعي، وكان بالتأكيد خاصة على اهمية تحديث منظومة القوانين المنظمة لعمل القضاء الشرعي بما فيه قانون الأحوال الشخصية المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية والمطبقة في المحاكم بدرجتها البدائية، والذي يعالج أهم وكافة القضايا الأسرية، من أجل الحفاظ على سلامة وأمن ومتانة الأسرة الفلسطينية من التفكك والانفصال.  

علماً أن فلسطين شهدت عدة محاولات لإصدار مشروع قانون قضائي شرعي خاص بها، وكان بدايتها في عام 2012 ولاحقاً تم الغاء بعضها، وتم اقتراح مشروع بقانون عام 2016، الى أن جاءت هذه الخطوة لتظهر نور الحق والعدل والشعور بالاستقلالية، فكان من الطبيعي أن يصدر أحكام وقوانين خاصة للقضاء الشرعي من باب النزاهة والاستقلالية، ليضاف الى الثروة الفقهية القانونية المكنوزة. فأصبح من الضرورات الملحة لإصدار قانون شرعي قضائي فلسطيني.

مكانة القضاء: إن فقه القضاء من أهم مجالات فقه الشريعة الإسلامية، ومن أسمى علومها قدراً وقيمةً، وأشرفها ذِكراً ومكانةً، وذلك لأن القضاء يمس حياة الناس، بإنصاف المظلوم، وإيصال الحقوق لأصحابها بالعدل والمساواة، بعداً عن الجور والظلم. وقد ظل تاريخ القضاء الإسلامي مزدهراً على مر العصور، وذلك من زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم- مروراً بقضاء صحابته رضي الله عنهم جميعاً، ووصولاً إلى اجتهاد الفقهاء والعلماء بمذاهبهم المختلفة، استقراراً إلى زمننا هذا ليكون القضاء الشرعي مثالاً لتطبيق شريعة الله، وذلك كله؛ لأنه نظام رباني يستمد أحكامه ونظامه من التشريع الإلهي. ويشهد التاريخ بأسماء عريقة ارتبط اسمها بالقضاء الشرعي العادل والذي ما زال إلى يومنا هذا تتغنى أسمائهم وربطها بالعدل، تيمناً بإمام القضاة وسيدهم رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-، وإلى رمز العدل الفاروق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وإلى أمثال شريح القاضي وأبي يوسف، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من الأعلام.  

استقلال القضاء من ناحية السلطة القضائية في دستور دولة فلسطين

تأكيد المادة (97) من القانون الأساسي المعدل على أن: ” السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويحدد القانون طريقة تشكيلها واختصاصاتها وتصدر أحكامها وفقاً للقانون، وتعلن الأحكام وتنفذ باسم الشعب العربي الفلسطيني”.

كما نصت الفقرة الاولى من المادة (101) من القانون ذاته على أن: ” 1- المسائل الشرعية والأحوال الشخصية تتولاها المحاكم الشرعية والدينية وفقاً للقانون”. وعليه فإن القانون الاساسي أكد على وحدة السلطة القضائية وفتح المجال لتنوع المحاكم واختصاصاتها بما يشمل المحاكم الشرعية، وهذا ما ينطبق مع سطور هذا المقال باستقلال القضاء الشرعي من باب النزاهة في الحكم، وحياده.

وأختم مقالي بكلمات الفاروق : ” لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك، وهديت لرشدك، أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”.

 

بقلم المحامية الشرعية: أميرة عدنان دروبي

 

مواضيع أخرى ذات علاقة:

One comment

  1. Pingback: مفهوم الأحوال الشخصية وتقنينها والقضاء فيها - موسوعة ودق القانونية

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*