Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

الجرم الممول: عندما تستنبط الجماعات الإرهابية منابعها المالية من الممارسات غير المشروعة

الجرم الممول:

عندما تستنبط الجماعات الإرهابية منابعها المالية من الممارسات غير المشروعة

(بقلم الباحثة: مرخي آية إخلاص)

 

لا يزال الإرهاب يُعد أبرز التحديات التي يواجهها القرن الواحد والعشرون، فهو ليس مجرد صراع قائم على اختلاف في الأفكار أو العادات أو المعتقدات، بل يتخذ آفاقاً بعيدة، باستهدافه للدولة في أمنها وسيادتها، إضافة إلى ضرب المجتمع في أبرز قيمه، وإحداث التفكك وزعزعة الأمن القومي. هذا كله يدل على خطورته كظاهرة تسعى إلى فرض أجندتها بالقوة، ورغم قدمها، إلّا أن استمراريتها باتت مرهونة بأخطر الممارسات، ألا وهو التمويل.

وقد عرّفت الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لسنة 1999، في المادة الثانية منها،[1]الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، بتاريخ 9 ديسمبر1999، نيويورك، صادقت عليها الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي … Continue reading الجرم الممول، واعتبرته كل فعل يقوم به شخصٌ بتجميع الأموال أو تقديمها، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، مع علمه المسبق بالغاية غير المشروعة لاستخدامها، وذلك بقصد ممارسة الضغط على الحكومات.

وتتعدّد المنابع التمويلية للإرهاب، ومنها ما يتعلّق بالجريمة المنظمة، التي لها ارتباط وثيق بالجماعات الإرهابية، حيث استحدثت المادة الثانية من اتفاقية باليرمو مفهومها،[2]المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، بتاريخ 15 نوفمبر سنة 2000 ، … Continue reading وعرّفتها بأنها: كيان غير شرعي، قائم على تنظيم مشترك من قبل ثلاثة أعضاء كحدّ أدنى، يعمل باستمرارية زمنية للقيام بعمليات غير مشروعة، وذلك لتحقيق مقاصد خطيرة، الهدف منها الحصول على مكاسب مادية.

وترتبط الجريمة المنظمة بالجماعات الإرهابية من خلال تزويد العصابات القائمة عليها الكيانات الإرهابية بالوثائق المزورة، كجوازات السفر، البطاقات الإلكترونية، المحافظ الإلكترونية، والعمولات غير المشروعة. ومقابل ذلك، توفر الجماعات الإرهابية الحماية لهذه العصابات، سواءً من المتابعة القضائية، أو عبر توفير ممرات آمنة لتهريب البضائع والأسلحة.[3]إسراء  طارق جواد كاظم الجابري، جريمة الإرهاب الإلكتروني، دراسة مقارنة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير، كلية … Continue reading

وإضافة إلى ذلك، هناك منبع تمويلي آخر لا يقل خطورة، ألا وهو غسيل الأموال، الذي عرّفته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1988، في المادة الثالثة،[4]المادة الثالثة، من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، بتاريخ … Continue reading بأنه: “كل عملية واقعة على الأموال، سواء بتحويلها أو نقلها، مع الإحاطة بمصدرها غير القانوني، وذلك بقصد إكسابها الصفة الشرعية، أو بهدف تقديم المساعدة للمتورطين في الجريمة الأصلية من أجل الإفلات من العقاب.

ولغسيل الأموال دور كبير في دعم الأنشطة الإرهابية، إذ يتّفقان في التوجهات غير المشروعة، سواءً من خلال الأنشطة التجارية أو إنشاء الشركات الوهمية، لجمع الأموال وإخفاء وجهتها الحقيقية. وقد أشار تقرير فرقة العمل المالي الدولية (FATF) إلى ذلك،[5]Financial Action Task Force (FATF), Global Money Laundering and Terrorist Financing Threat Assessment, OECD/Paris ;2010, p:8. كما يُستعمل غسيل الأموال لتوفير السيولة للجماعات الإرهابية لاقتناء الأسلحة والمعدات اللازمة لصنع المتفجرات وتنفيذ العمليات، بالإضافة إلى القيام بأعمال استخباراتية وجمع معلومات تستهدف الحكومات عبر الإنترنت.[6]إسراء طارق جواد كاظم الجابري، المرجع السابق، ص 46.

ومن بين المصادر التمويلية الأخرى للإرهاب، تأتي تجارة الممنوعات، التي تُعدّ من أخطر الممارسات، لأنها تضرب المجتمع في قيمه وتزعزع استقراره، مما يبرز الغايات التي تستهدفها التنظيمات الإرهابية من خلال استغلال القصّر والشباب.[7]حسين حياة، الجريمة المنظمة مصدر لتمويل الإرهاب،” مجلة صوت القانون”،ع01، المجلد الثامن، جامعة البليدة2، … Continue reading وقد أشار تقرير المخدرات العالمي لسنة 2017 إلى اعتماد هذه التنظيمات على عائدات تجارة المخدرات غير المشروعة ومثال ذلك حركة طالبان في أفغانستان، التي يُقدّر أن نصف مردودها يأتي من تجارة الممنوعات، خاصّة مادة الأفيون، إضافة إلى القوات الثورية الكولومبية التي تعتمد على تجارة الكوكايين، أما في سوريا فقد تم الاعتماد على تجارة الأمفيتامين.[8]United Nation Office on Drugs and Crime (UNODC), New York, 2017 pp:34_35.

ولعلّ أبرز ما أفرزته الفضاءات الرقمية من منابع تمويلية هو استخدام العملات المشفرة، التي عرّفها المشرع المصري في المادة الأولى من قانون البنك المركزي المصري رقم 194 لسنة 2020،[9]المادة الأولى، من القانون 194لسنة 2020، المتضمن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي المصري، الجريدة … Continue reading بأنها: “عملات مخزنة إلكترونيًا، غير مقومة بأي عملة صادرة عن سلطة نقدية رسمية، ويتم تداولها عبر الإنترنت، وتُعدّ هذه العملات بديلاً جذّاباً للتنظيمات الإرهابية لما توفره من سرعة وخصوصية عالية مقارنة بالمعاملات التقليدية، وذلك باعتمادها على تقنية سلسلة الكتل (البلوكشين)، التي تتميز بتشفير قوي يحافظ على سلامة البيانات ويجعلها غير قابلة للتعديل.[10]The Soufan Center, “Blockchain and Bloodshed :The Role of Cryptocurrencies in Terrorist Finacing”,intelBrief ,October 16 2024, available at : … Continue reading

ومن أشهر العملات المتداولة في الأنشطة الإرهابية، نذكر البيتكوين، التي يُعدّ تنظيم داعش الإرهابي من أبرز المتعاملين بها، حيث أصدر وثيقة باللغة الإنجليزية تتضمّن كيفية استخدامها في العمليات الجهادية، كما خصصوا منصات على شبكة الدارك ويب لإرسال الأموال.[11]محمد كمال، الإرهاب السيبراني عندما يستخدم الإرهابي الكيبورد بدل القنبلة، ط1، دار كليم، القاهرة، 2022.

وإلى جانب البيتكوين، برزت عملة مونيرو كأخطر العملات المشفرة، وتُعتبر الملاذ الآمن للجماعات الإرهابية، لأن معاملاتها تتمتع بخصوصية عالية جداً مقارنة بالبيتكوين، الذي تكون معاملاته علنية، مما يسهل تتبعها، بينما تتميز مونيرو بتعقيد تقني يجعل تتبع مصادرها أو مرسليها أو مستقبليها شبه مستحيل.

وقد اتجهت التشريعات العربية، ومنها التشريع الجزائري، إلى حظر التعامل بهذه العملات، وذلك بموجب القانون رقم 25-10، المعدّل والمتمّم لقانون الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، حيث نصت المادة السادسة منه على حظر كل المعاملات بالعملات الافتراضية،[12]المادة 6 مكررمن القانون05_01، المؤرخ في6 فيفري 2005الموافق ل 27ذو الحجة 1425ه، المتعلق بالوقاية من تبيض الأموال و … Continue reading كالبيتكوين وما يشابهها، سواء من حيث التداول، الترويج، الإصدار، أو الشراء، بما في ذلك منصات التداول والمحافظ الإلكترونية.

ومن ثمة، يمكن القول إنّه نظراً لخطورة الجرم الممول بمختلف منابعه، سواءً من الجريمة المنظمة، غسيل الأموال، تجارة الممنوعات، أو العملات المشفرة، فإنّ تزويد الجماعات الإرهابية بالدعم المادي لتحقيق أغراضها غير المشروعة، يفرض ضرورة وجود منظومة وطنية متكاملة لمكافحة هذه الظاهرة، مع تشديد الرقابة على المعاملات المالية المشبوهة. كما يبرز دور التنسيق الدولي في مواجهة هذه الجريمة العابرة للحدود، عبر تبادل المعلومات والتحقيق المشترك، مع ضرورة النص الصريح الواضح لتجريم هذه الجرائم، ووضع آليات رقابية فعالة. فالتصدي للجرم الممول يتطلب تعاوناً دولياً وقضائياً، ممّا من شأنه التقليل من تبعاته الخطيرة، وهو ما يتطلب مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، و تعزيز قدرات الأجهزة القضائية والأمنية في مجال التحقيق المالي.

 

بقلم الباحثة: مرخي آية إخلاص

 

مواضيع أخرى ذات علاقة:

المصادر والمراجع

المصادر والمراجع
1 الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، بتاريخ 9 ديسمبر1999، نيويورك، صادقت عليها الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي رقم 02-265، المؤرخ في 7 أكتوبر 2002.
2 المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، بتاريخ 15 نوفمبر سنة 2000 ، نيويورك، صادقت عليها الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي 02-55 المؤرخ في 5 فبراير 2002.
3 إسراء  طارق جواد كاظم الجابري، جريمة الإرهاب الإلكتروني، دراسة مقارنة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير، كلية الحقوق، جامعة النهرين، 2016، ص 51.
4 المادة الثالثة، من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، بتاريخ 19ديسمبر1988، فيينا، صادقت عليها الجزائر في 9ماي 1995.
5 Financial Action Task Force (FATF), Global Money Laundering and Terrorist Financing Threat Assessment, OECD/Paris ;2010, p:8.
6 إسراء طارق جواد كاظم الجابري، المرجع السابق، ص 46.
7 حسين حياة، الجريمة المنظمة مصدر لتمويل الإرهاب،” مجلة صوت القانون”،ع01، المجلد الثامن، جامعة البليدة2، بتاريخ/11/202130، ص1141.
8 United Nation Office on Drugs and Crime (UNODC), New York, 2017 pp:34_35.
9 المادة الأولى، من القانون 194لسنة 2020، المتضمن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي المصري، الجريدة الرسمية، العدد37، الصادرة بتاريخ 15سيبتمبر2020.
10 The Soufan Center, “Blockchain and Bloodshed :The Role of Cryptocurrencies in Terrorist Finacing”,intelBrief ,October 16 2024, available at : https://thesoufancenter.org/intelbrief-2024-october-16/.
11 محمد كمال، الإرهاب السيبراني عندما يستخدم الإرهابي الكيبورد بدل القنبلة، ط1، دار كليم، القاهرة، 2022.
12 المادة 6 مكررمن القانون05_01، المؤرخ في6 فيفري 2005الموافق ل 27ذو الحجة 1425ه، المتعلق بالوقاية من تبيض الأموال و تمويل الإرهاب ومكافحتهما، المعدل والمتمم بالقانون رقم25_10، المؤرخ في 24جويلية 2025 الموافق ل28 محرم1447ه، الجريدة الرسمية، العدد 46، الصادرة بتاريخ24 جويلية 2025.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*