Login

Lost your password?
Don't have an account? Sign Up

العدل بين الأقلام: من الإنصاف إلى الإجحاف

العدل بين الأقلام: من الإنصاف إلى الإجحاف

(بقلم الباحثة: مرخي آية إخلاص)

 

النزاهة العلمية هي المعيار الأساسي في البحث العلمي، وتعني الأمانة والموضوعية والصدق في الكتابة والنقل. فهي معيار أخلاقي قبل أن يكون قانونياً، يقوم على التزام الباحث في كتابته، وفي اعتماده على المصادر التي يبني عليها بحثه، وفي نقله وعرضه لآراء الآخرين. وانطلاقاً من هذا المدخل، نتساءل: هل يلتزم الباحث بتحقيق هذه النزاهة في كتاباته؟ أم أن القلم ينحاز فيتحول من أداة إنصاف إلى أداة إجحاف؟

العدل بين الأقلام هو إنصاف الباحث في كتابته، بإعطاء كل ذي حق حقه، دون انحياز لرأي شخص معين، ولا لجهة، سواء بدافع المصلحة أو الدافع الشخصي. وللباحث حرية في ما يصدر عنه في كتاباته، غير أن هذه الحرية تبقى مقيدة بمسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية. فحرية القلم لا ينبغي أن تكون بلا حدود، وأول هذه الحدود عدم الانفلات؛ لكي لا يتحول القلم من أداة تعبر عن الآراء وتطرح الأفكار، إلى أداة تُجحف بحق الآخرين.

فالعدل بين الأقلام لا يقتضي بالضرورة تماثلاً في النتائج أو مساواةً حسابيةً بينها، إذ قد تتحول هذه الأخيرة في بعض المواضع إلى مجرد مساواة شكلية دون أن تحقق إنصافاً موضوعياً. فالعدالة في الجانب الأكاديمي ترتبط بالحكم وفق معايير مضبوطة تقتضي الموضوعية، سواء من حيث مضمون العمل، أو قيمته العلمية، أو منهجيته، لا من خلال الاعتبارات الشخصية المحيطة بصاحبه. ومن ثم، فإن اختلاف النتائج لا يعني بالضرورة إخلالاً بالعدالة، كما أن تماثلها لا يعني بالضرورة تحقق الإنصاف، ما دام الحكم عليها لا يستند إلى معايير علمية محكمة.

تتعدد مظاهر الإجحاف في الكتابات العلمية، فمنها ما يتعلق بالانحياز للأشخاص أو الجهات، بمدح طرف وتعمد الإساءة لأطراف أخرى، أو تجاهل حقوق طرف لصالح الطرف الآخر. إضافة إلى المجاملة والنفاق، بكتابة ما يتنافى مع اعتقاداته، أو استعمال القلم لتصفية حسابات شخصية. فضلاً عن التزييف والطمس في النقل، سواء بنقل المعلومات وعدم نسبها لأصحابها، أو تغييرها بما يتناسب مع المصالح.

وتتخذ الانحيازات صوراً متعددة، لا تظهر بالضرورة في صورة صريحة أو مباشرة، وإنما قد تتسلل بطرق أكثر خفاءً، من خلال انتقاء بعض المعطيات والمعلومات وإغفال أخرى بناءً على موقف الباحث من صاحبها، أو منح مساحة أكبر لرأي على حساب آراء أخرى، أو استعمال ألفاظ من شأنها الإيحاء بالتقليل من الرأي المخالف، ومن ثم فإن النزاهة العلمية لا تقتضي فقط تجنب التزييف والتلفيق، وإنما تتطلب كذلك الوعي بأشكال الانحياز غير المباشر، التي قد تؤثر في طريقة عرض الباحث للموضوع وفي الصورة التي يقدمها عنه.

وللإجحاف أسباب كثيرة، أولها ما يتعلق بالضغوط السياسية، حيث يتعرض الكاتب لضغط من طرف مصالح معينة تدفعه للكتابة وفق ما تريده. ومنها الضغوط الاقتصادية، كسعيه للمال من خلال الكتابة لصالح من يدفع. كما قد يتعمد الكاتب إثارة الجدل بانتقادات لاذعة أو بمواقف في كتابته تستفز الأطراف الأخرى للرد عليه، فيشتهر على حساب الحقيقة. ويضاف إلى ذلك افتقاره لأخلاقيات المهنة، التي تدفعه لفرض آرائه والتعصب لها، فيهاجم كل من يخالفه ولا يقبل رأي الطرف الآخر، ويتعمد الاستنقاص منه من خلال كتاباته.

ويطرح العدل بين الأقلام إشكالاً جوهرياً يبرز في التقييمات الأكاديمية حال تساوي نتائج أعمال تختلف من حيث الكمّ، وعمق المعالجة، وتشعّب المصادر وتنوعها، ومدى الالتزام بالقواعد المنهجية وتطبيق النزاهة العلمية. فاختلاف الأعمال كمّاً وكيفاً يثير تساؤلاً حول مدى كفاية المساواة في النتائج لتحقيق الإنصاف، أم أن العدالة تقتضي مراعاة خصوصية كل عمل ومدى استيفائه لمعايير الجودة العلمية، بعيداً عن أي تحيزات تتعلق بالشخص أو مكانته أو المشاعر الشخصية تجاهه.

وأمام هذا الإجحاف، لا بد للباحث أن يستعيد عدله، وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه. ويتحقق ذلك من خلال الالتزام بالنزاهة العلمية كمبدأ أولي، سواء من ناحية النقل والكتابة ومصدر المعلومة، أو الموضوعية في الطرح، أي تناول ما يخدم الموضوع بعيداً عن الشخصنة، مع التحقق من مصداقية المصادر والتأكد قبل الكتابة، والشفافية في التعامل مع المعلومات. كما يقتضي طرح الآراء الأخرى واحترامها، وإعطاؤها حقها في التقييم والنقد، وعدم محاولة طمس الآراء المخالفة أو استعمال الأساليب التهجمية في مواجهتها. فضلاً عن الفصل بين ما هو شخصي والحقيقة، بتناول ما يخدم الموضوع حتى وإن خالف اعتقاد الكاتب.

وبالتالي فإن العدل بين الأقلام لا يُؤخذ من الجانب الأخلاقي فحسب، باعتباره انعكاساً لما يتحلى به الباحث من قيم، بل يُجعل كذلك معياراً ومنهجاً في ممارسة البحث والكتابة والتقييم، بما يضمن أن يكون الحكم على الأفكار والأعمال قائماً على أسس موضوعية، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية التي قد تؤثر في مسار البحث أو نتائجه.

 

بقلم الباحثة: مرخي آية إخلاص

 

مواضيع أخرى ذات علاقة:

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*